اخلاقنا

“ليه بنحزن لما نكبر”

بقلم – شريف غالب

إحنا ما بنحزنش لأننا كبرنا… إحنا بنحزن لأننا اتعلمنا الحقيقة متأخر قوي.
الطفل ما بيبكيش على الدنيا، لأنه شايفها بسيطة ،الناس طيبين والوعود حقيقية، واللي يحبك يفضل جنبك للأبد. لكن لما نكبر، بنكتشف إن العالم مش كده. ساعتها الحزن مش بييجي من السنين اللي عدّت، لكن من المعاني اللي اتكسرت جوانا.
البراءة مش إنك تكون ساذج… البراءة إنك تثق من غير ما تشك، وتحب من غير ما تحسب، وتصدق من غير ما تختبر. ومع الوقت، الحياة بتعلّمنا عكس ده كله.

إحنا ما بنفقدش البراءة مرة واحدة، إحنا بنفقدها على مراحل، أول خيبة أمل بتعلّمك إن مش كل الناس صادقة وأول خيانة بتعلّمك إن الحب ممكن ينتهي وأول فشل كبير بيخليك تشك في نفسك وأول خسارة حقيقية بتعلّمك إن مش كل حاجة بترجع زي ما كانت.

ومع كل تجربة، بتسيب جواك حاجة… وبتاخد منك حاجة. بتاخد عفويتك وبتسيب الحذر، بتاخد طيبة قلبك وبتسيب الحكمة ، بتاخد ثقتك وبتسيب الشك.

عشان كده بنحزن لما نكبر مش لأننا فقدنا شبابنا، لكن لأننا فقدنا النسخة اللي كانت شايفة الدنيا جميلة حتى وهي مش جميلة.

الكبير مش بيحزن لأنه ضعيف ، هو بيحزن لأنه فاهم. فاهم إن الناس ممكن تسيبك وإن الأحلام ممكن تتكسر وإن الحياة مش عادلة وإنك مهما حاولت مش دايمًا هتاخد اللي تستحقه. لكن المفارقة إننا بنحتاج نفقد جزء من براءتنا عشان نعيش بوعي. من غير الألم مفيش نضج ، ومن غير الخذلان مفيش حكمة ، ومن غير الفقد مفيش تقدير.

لما كنا صغيرين، ما كناش بنحزن على الزمن، لأن الزمن ما كانش ليه وجود جوانا. الساعة كانت لعبة، والمستقبل كان كلمة بلا معنى، والماضي كان مجرد “من شوية”. الحزن ما بييجيش مع العمر نفسه… الحزن بييجي مع الذاكرة.

كل ما نكبر، ذاكرتنا بتتقل، ومش باللحظات الحلوة، لكن باللحظات اللي كسرتنا. عشان كده الكبير ممكن يقعد ساكت وهو مليان صراخ، وممكن يضحك وهو موجوع، وممكن يطبطب على غيره وهو محتاج حد يطبطب عليه.

كل مرة حد يؤذينا، بنبني سور صغير حوالين قلبنا. ومع الوقت السور ده يكبر لحد ما بنبص حوالينا ونقول لنفسنا “أنا بقيت قوي”. لكن الحقيقة إننا بقينا محبوسين. بنحزن لما نكبر لأننا بنكتشف إننا كنا ألطف مما لازم، وأصدق مما العالم يستاهل، وأحنّ من اللازم. مش لأننا غلطنا… لكن لأننا اتعلّمنا بالطريقة الأصعب.

يمكن الحزن الحقيقي مش إننا كبرنا…الحزن إننا كبرنا من غير ما نعرف نحافظ على قلبنا الطفولي جوّه عالم قاسٍ ما بيرحمش.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com