” إل مينتشو ” عندما يبلغ النفوذ حده الأخير

كتبت / دعاء هزاع الجابري
عندما تتداخل الحدود بين السلطة والجريمة، وتتشابك السياسة مع اقتصاد الظل في هذا العالم المكتض ، تبدو القوة أحيانا وكأنها القانون الوحيد الذي يحكم الواقع ، ليأتي لنا مقتل ” نيميسيو أوسيغويرا سيرفانتس ” المعروف باسم ” إل مينتشو ” بطرح سؤالا يتجاوز الحدث الأمني إلى أفق فلسفي أوسع وهو : هل تستطيع القوة المطلقة أن تحمي نفسها من مصيرها ، أم أن كل سلطة تقوم على العنف تحمل في داخلها بذور فنائها؟ ، فلم يكن إل مينتشو مجرد زعيم لعصابة إجرامية بل كان تجسيدا لبنية معقدة من النفوذ ، لقد مثل كيانا يقوم على مزيج من التنظيم شبه العسكري والاقتصاد غير المشروع وشبكات مالية عابرة للحدود ، إضافة إلى حضور اجتماعي محدود لكنه مؤثر في بعض البيئات المحلية ، فهذه المنظومة لم تنشأ فجأة بل تشكلت عبر استثمار طويل في هشاشة الدولة وفي الطلب العالمي المستمر على المخدرات ، حيث يتحول السوق غير المشروع إلى قوة سياسية موازية ، لأن
القوة هنا لم تكن في السلاح وحده بل في القدرة على التكيف ، أنه تنظيم قادر على الانقسام دون أن ينهار وعلى إعادة التموضع بعد الضربات وعلى الاستمرار حتى في غياب قياداته ، وهذا ما يجعل بنية ” كارتل خاليسكو ” الجيل الجديد أقرب إلى شبكة حية لا إلى هرم سلطوي تقليدي
ومن هذا المعنى يتجسد تصور الفيلسوف ” ميشيل فوكو ” للسلطة بوصفها علاقات متداخلة تمارس وتعاد إنتاجها لا مجرد مركز يمكن إسقاطه ، ومع ذلك فإن لحظة السقوط تظل حاضرة دائما في قلب كل صعود ، فالقوة التي تقوم على الخوف تولد في داخلها توترات مستمرة من صراعات داخلية ، منافسات على النفوذ ، وشكوكا دائمة بين الحلفاء أنفسهم ، إنها قوة تعيش في حالة دفاع دائم حتى في ذروة سيطرتها ، لذلك فإن مقتل القائد لا يكون نهاية مفاجئة بقدر ما يكون نتيجة منطقية لمسار طويل من العنف المتبادل ، لكن المفارقة الكبرى تكمن في أن سقوط الشخص لا يعني سقوط النظام بل قد يؤدي إلى نتائج عكسية متمثلة بفراغ في القيادة يفتح باب الصراع الداخلي ، وتصاعد مؤقت في مستويات العنف ، وإعادة تشكل مراكز قوة جديدة داخل التنظيم ،
ليظهر من هنا التناقض العميق في منطق المواجهة الأمنية حيث أن الضربة الرمزية مهمة لكنها لا تكفي ، فالشبكات التي تغذي هذه الكيانات أعمق من أن تختزل في اسم واحد ، إنها تمتد إلى الفقر ، والفساد ، والاقتصاد غير الرسمي ، وإلى سوق عالمي يخلق الطلب باستمرار
أما من زاوية فلسفية فيكشف هذا الحدث عن هشاشة القوة حين تنفصل عن الشرعية ، فالقوة التي تبنى على الخوف لا تنتج استقرارا بل تنتج توازنا مؤقتا قائما على الرعب ، وهي في جوهرها سلطة مؤجلة السقوط لأن العنف لا يصنع نظاما بل يؤجل لحظة الفوضى ، ولعل الدرس الأعمق هنا يكمن بأن السلطة ليست مجرد قدرة على السيطرة بل قدرة على الاستمرار دون عنف ، فحين تصبح الهيمنة هدفا بحد ذاتها تتحول إلى عبء وجودي على صاحبها فيعيش محاصرا بما صنعه مطاردا بالقوة التي منحته مكانته
إن مقتل إل مينتشو لا يمثل نهاية رجل فحسب بل يعيد فتح السؤال القديم عن طبيعة القوة ذاتها بهل السلطة التي تقوم على الخوف قوة حقيقية أم مجرد وهم صلب ينتظر لحظة الانكسار؟ ، ففي النهاية لا يسقط العنف لأنه ضعيف بل لأنه يستهلك نفسه ، وكل إمبراطورية تبنى على الخوف تشبه بناء من حديد ” صدئ ” قد يبدو صلبا من الخارج لكنه يحمل في داخله تآكله البطيء ، وبهكذا لا يكون السقوط حادثة طارئة بل النتيجة الطبيعية لمسار بدأ منذ اللحظة الأولى التي اختلطت فيها السلطة بالموت .



