
بقلم: محمد الشريف
بينما كنت في زيارة ليلية إلى إحدى قرى شمال الصعيد، وجدت نفسي أمام مشهد مهيب لا تصفه الكلمات، صمت القرية يلف المكان، والنجوم تلمع في السماء كحبات لؤلؤ متناثرة، تبعث في القلب سكينة وطمأنينة، شعرت أنني في قلب لوحة طبيعية رسمتها يد الخالق بعناية.
وعند العودة على الطريق الصحراوي الممتد نحو القاهرة، ازداد المشهد عمقًا. ظلام الصحراء كان مضيئًا بوهج النجوم، بينما أخذت أضواء المدينة في البزوغ شيئًا فشيئًا، لتكشف عن مفارقة مدهشة: ظلام الصحراء المضيء بنجومه يقابله وهج الأضواء الصناعية التي تملأ شوارع القاهرة.

هنا، كان لا بد أن يتوقف الخاطر عند المعنى العميق للتوازن الإلهي بين النور والظلام، بين الخير والشر، بين السكون والحركة. وتذكرت قول الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ }.
أدركت في تلك اللحظة أن هذه المشاهد ليست مجرد لوحات بصرية، بل رسائل ربانية تدعونا للتفكر في الحكمة الإلهية، ولنعلم أن الكون بما فيه من ليل ونهار، ونور وظلام، هو آية باهرة تدل على عظمة الخالق.

هذه التجربة لم تكن مجرد رحلة عابرة بين شمال الصعيد والقاهرة، بل كانت رحلة روحية عميقة. لقد جعلتني أستشعر أصالة القرى الصعيدية وهدوء الطبيعية.
فبين سكون الصحراء وضوء النجوم، وبين صخب القاهرة وأضوائها، يتعلم الإنسان كيف يوازن بين الدنيا والآخرة، وكيف يُرى في كل مشهد من مشاهد الحياة دعوة للتسبيح والتأمل



