
كتب: محمد الشريف
في لحظة هادئة وصلني اتصال قصير حمل معه صدمة كبيرة: “حمادة مات”. كان حمادة صديقي المهندس الكهربائي، شابًا صغير السن، مليئًا بالحياة والطموح، لكنه رحل فجأة تاركًا زوجته وأولاده الصغار في مواجهة قسوة الفقد.
وما إن استوعبت الخبر حتى تذكرت صديقي المحامي الذي فاضت روحه داخل مكتبه قبل رمضان بيومين فقط، رجل عاش حياته بين القوانين والموكلين، لكنه لم يكمل رسالته، وترك وراءه أسرة صغيرة تبحث عن سند بعد رحيله المفاجئ.
وبينما يدور شريط الذكريات، عاد إلى ذهني أيمن، صديق الطفولة والشباب، الذي غاب عن دنيانا قريبًا وترك زوجتين وأبناءً كبارًا وصغارًا. كان حاضرًا دائمًا بيننا بصوته وضحكته، لكنه اليوم غائب بجسده، حاضر في قلوبنا وذاكرتنا.
ولم تتوقف المآسي عند حدود الأصدقاء، بل امتدت إلى العائلة؛ فقد رحل اثنان من أخوالي، ولحقت بهم أمي التي كانت سندي ودعائي، ثم عمّان وعمّة، وجدّان وجدّة، وخال وخالة لأمي، سلسلة طويلة من الراحلين الذين غابوا بأجسادهم لكنهم تركوا بصمات لا تمحى من القلب.
كل هذه المواقف أيقظت داخلي حقيقة لا مفر منها:
ما نحن إلا جنائز مؤجلة، نمشي على الأرض نخطط ونسعى ونحلم، لكن النهاية مكتوبة منذ الأزل. يرحل واحد ويُدفن، ثم نلحق به في موعد لا نعرفه. وهنا يتجلى قول الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: 57]، فالموت حق لا يفرق بين صغير أو كبير، غني أو فقير، عالم أو بسيط.
وقد أوصانا النبي ﷺ بقوله: «أكثروا من ذكر هاذم اللذات» أي الموت [رواه الترمذي]، لأن ذكر الموت يوقظ القلوب من الغفلة ويحفز النفوس للاستعداد للقاء الله بالعمل الصالح.
وأن ما يبقى للإنسان بعد رحيله ليس مالًا ولا منصبًا، بل عمل صالح وذكر طيب ودعاء صادق، كما قال رسول الله ﷺ: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له» [رواه مسلم].
وهكذا نتعلم أن الحياة قصيرة مهما طالت، وأن الفرصة ما دامت في أيدينا فلنغتنمها لصنع أثر طيب في حياة من حولنا. فالأثر الطيب هو ما يبقى بعد أن نفارق الدنيا، وهو ميراثنا الحقيقي في قلوب الناس وميزاننا عند الله.
لعلّ دعوة صادقة أو عملًا نافعًا يكون لنا نورًا ورحمة بعد الرحيل، حين نصبح نحن أيضًا خبرًا على ألسنة الآخرين، فـ جميعنا جنائز مؤجلة مع فروق التوقيت.



