وثائق وحكايات

ما بين المسموح والممنوع: العرب بين قيود الهيمنة وأحلام الاستقلال

كتب: إبراهيم رمضان الهمامي

منذ أن انكسرت موازين القوى العالمية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وتشكّل النظام الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، باتت المنطقة العربية واحدة من أهم مسارح النفوذ الاستراتيجي، وميداناً لتصفية الحسابات، ومصدراً للطاقة والمواد الخام، ومعبراً للتجارة الدولية، وساحة لصراعات أيديولوجية وعسكرية وأمنية متشابكة. لم يكن العرب يوماً في قلب صناعة القرار العالمي، بل وُضعوا في موقع التابع لا الفاعل، والمستجيب لا المبادر.

ومع تصاعد النفوذ الأمريكي والإسرائيلي، خصوصاً بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، أصبح ما يجوز وما لا يجوز للعرب محدداً بدقة في إطار مصالح القوى العظمى، وبالأخص الولايات المتحدة وحليفتها المدللة إسرائيل، أو كما سماها النص الرمزي “أرهابيل”.

هذا الكيان “الأرهابيلي” لا يكتفي بفرض قواعد اللعبة بل يعيد صياغة وعي المنطقة، ويفرض إيقاعه على قراراتها، حتى باتت بعض العواصم العربية عاجزة عن امتلاك حقها الطبيعي في الدفاع عن نفسها أو دعم قضاياها المركزية، وعلى رأسها قضية فلسطين.

تقوم استراتيجية “أرهابيل” على قاعدة واحدة بثلاث صيغ متطابقة: التحالف مع أمريكا، التحالف مع أمريكا، التحالف مع أمريكا.

وكأنها تقول إن البقاء مرهون بالولاء الأعمى، وأن النجاة لا تتحقق إلا بالانصياع الكامل. هذه ليست مجرد سياسة خارجية بل فلسفة وجود، تحوّلت إلى منظومة متكاملة تفرض شروطها على المنطقة كلها.

 

ولكي نفهم خطورة هذا الواقع، لا بد أن نقرأ المشهد من ثلاثة مستويات: العسكري، السياسي، والثقافي.

أولاً: المستوى العسكري

لقد مُنِع العرب، بشكل واضح وصريح، من امتلاك أي نوع من الأسلحة الاستراتيجية التي من شأنها أن تمنحهم توازناً أو قدرة ردعية. فبينما تمتلك إسرائيل ترسانة نووية غير مُعلنة رسمياً ولكنها معروفة، يُحرَم العرب من مجرد التفكير في بناء قدرات نووية سلمية فضلاً عن العسكرية.

وبينما تُفرش القواعد الأمريكية والإسرائيلية بالفيروز والكهرمان في قبرص وأذربيجان، يُمنع العرب من بناء قواعد دفاعية محصنة. وبينما تُحلّق الطائرات الاستطلاعية بدون طيار فوق سماء الدول العربية، يُحرم العرب من تطوير منظومات رادارية متقدمة.

ثانياً: المستوى السياسي

السيادة الوطنية أصبحت مجرد شعار أجوف. معظم العواصم العربية تُدار وفق أجندات خارجية، تُجبر على التطبيع مع عدوها التاريخي، وتُرغم على تقديم تنازلات تُفقدها مكانتها وشرعيتها.

لم يعد القرار السياسي في كثير من الدول العربية قراراً وطنياً خالصاً، بل بات قراراً موجهاً بالريموت كونترول، يخضع لاشتراطات القوى العظمى.

ثالثاً: المستوى الثقافي والإعلامي

لكي يكتمل مشهد السيطرة، سمحت “أرهابيل” للعرب بالتصرف في هامش واسع من الكلام: خطابات نارية، بيانات شجب وتنديد، مؤتمرات وندوات، مظاهرات محسوبة، وحتى شتائم مباشرة تُوجَّه إليها في وسائل الإعلام الرسمية.

كل ذلك لا يُمثل خطراً عليها، بل بالعكس يُستَخدم كصمام أمان لتنفيس غضب الشعوب. هذا هو جوهر “السيادة المسموح بها”: أن تُشتم القوة المهيمنة ليل نهار، ولكن أن لا يُمسّ نفوذها في الواقع الفعلي.

النتيجة الطبيعية لهذا المشهد أن العرب وجدوا أنفسهم في موقع “الضعيف المستسلم”، بينما يتصرف الآخرون كـ”القوي المستهتر”. ومع ذلك، فإن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر إلى الأبد. التاريخ يُعلّمنا أن الشعوب التي تُجرد من حقها في الدفاع عن نفسها، أو من حقها في السيادة، لا بد أن تبحث عن بدائل. لكن السؤال هو: أي بدائل ممكنة اليوم؟

 

إن ما لا يجوز للعرب هو الاستسلام للواقع الراهن.

لا يجوز أن يظلوا أسرى لشعارات جوفاء أو لسياسات مرتهنة للخارج. لا يجوز أن يتعاملوا مع القضية الفلسطينية باعتبارها عبئاً سياسياً يجب التخلص منه. لا يجوز أن تُفرّط أنظمتهم في بناء منظومات ردع متواضعة على الأقل تضمن الحد الأدنى من الدفاع الذاتي.

وما يجوز، بل ما يجب، هو إعادة التفكير جذرياً في مستقبل المنطقة. يجوز للعرب أن يبنوا تحالفات إقليمية حقيقية، ليس بالضرورة ضد أحد، بل لصالح شعوبهم. يجوز لهم أن ينوعوا شراكاتهم الاقتصادية بعيداً عن التبعية لواشنطن أو الغرب، وأن يستثمروا في بدائل الطاقة والتكنولوجيا. يجوز لهم أن ينهضوا بمشروع ثقافي وإعلامي ضخم يُعيد تشكيل وعي الأجيال، ويزرع الثقة بالنفس بدلاً من الاستسلام للتبعية الفكرية.

 

لكن كل هذا يظل حبراً على ورق إذا لم يُدعّم بإرادة سياسية حقيقية، وبإصلاح داخلي يعيد بناء الثقة بين الشعوب والأنظمة. فلا استقلال خارجي من دون إصلاح داخلي، ولا سيادة وطنية من دون مؤسسات قوية، ولا قدرة على مقاومة الهيمنة ما لم يكن هناك مجتمع متماسك يؤمن بقضيته ويشارك في صنع القرار.

التاريخ العربي مليء بالأمثلة على لحظات الاستنهاض حين اجتمعت الإرادة الشعبية مع القيادة الواعية، فكانت النتائج مفاجئة للقوى العظمى. من تجربة المقاومة الجزائرية، إلى صمود مصر في حرب الاستنزاف، إلى انتفاضات الشعب الفلسطيني، كل ذلك يؤكد أن الشعوب قادرة على قلب المعادلات متى امتلكت القرار.

الخلاصة أن العرب اليوم يقفون أمام مفترق طرق. إما أن يظلوا في خانة “المسموح والممنوع” التي ترسمها لهم القوى الكبرى، فيبقوا مجرد تابعين يتصرفون في حدود ما يُسمح لهم به. وإما أن يخرجوا من هذه الدائرة عبر مشروع نهضوي شامل، يبدأ من الداخل ولا ينتهي عند بناء تحالفات خارجية متوازنة.

الأمل ليس في الشعارات ولا في البيانات ولا في الغارات الإعلامية، بل في العمل الممنهج طويل النفس: بناء اقتصاد قوي، تطوير قدرات دفاعية معقولة، توسيع قاعدة المشاركة الشعبية، والاستثمار في التعليم والثقافة والإعلام. هذا وحده هو الطريق نحو استقلال حقيقي، نحو عالم لا يكون فيه العرب مجرد مفعول بهم، بل فاعلين مؤثرين في رسم مستقبلهم.

ميادة قاسم

تحيا_مــ𓁳_𓆃ـصــ𓅮ـر _𝕰𝖌𝖞𝖕𝖙𓁳𓄿𓅓

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى