التيار المعتدل والعمل السياسي .. بين الالتباس والواقع

كتب: إبراهيم الهمامـي : 8 اكتوبر 2025
عندما نتحدث عن التيار المعتدل في العمل السياسي، فإننا ندخل إلى مساحة واسعة يختلط فيها التنظير بالممارسة، وتتقاطع فيها المصالح بالثوابت، ويظل تعريف الاعتدال نفسه عالقاً بين من يراه قوة عقلانية تسعى إلى حفظ التوازن، ومن يعتبره مجرد ستار لإخفاء الضعف أو التنازلات.
الاعتدال في جوهره يفترض أن يكون محاولة لبناء جسر بين النقيضين، بين المواجهة العنيفة والانصياع الكامل، بين التشدد الجامد والذوبان في الآخر. لكن الواقع السياسي أثبت أن هذا المفهوم لم يعد بريئاً أو واضحاً، بل صار أداة متعددة الأوجه، تستعملها الأنظمة والأحزاب كلٌّ وفق أهدافه ومصالحه، بينما يبقى الشعب هو الحكم الأخير على مدى صدق هذا الاعتدال أو زيفه.
في السياق العربي، نشأ التيار المعتدل في أجواء مضطربة سياسياً واجتماعياً، محاولاً أن يجد لنفسه موطئ قدم وسط أمواج متلاطمة من التحديات: الاحتلال، التدخلات الأجنبية، الصراعات الإقليمية، والانقسامات الداخلية.
وغالباً ما ارتبط اسمه بمحاولات تقليل الخسائر وتفادي الصدام المباشر مع القوى الكبرى، مما جعله في نظر بعض الشعوب رديفاً للانحناء أمام العاصفة أكثر من كونه إدارة عقلانية للأزمات.
هذا الالتباس في التصور نابع من تجارب سياسية متكررة جعلت الاعتدال يبدو وكأنه سياسة “ترضية” للآخرين بدلاً من كونه استراتيجية وطنية متوازنة.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن التيار المعتدل لعب أدواراً مهمة في مراحل معينة. ففي كثير من الأحيان، كان الاعتدال وسيلة لتجنب انهيار الدول أو اندلاع حروب شاملة، إذ أن التهور السياسي أو المغامرات غير المحسوبة كانت قد تؤدي إلى كوارث أفظع. فمثلاً، هناك دول عربية اختارت مسار الاعتدال في علاقاتها الدولية، فنجت من حصار أو عدوان، واستطاعت أن تبني اقتصاداً مستقراً نسبياً وتضمن الحد الأدنى من التنمية.
وفي حالات أخرى، كان الاعتدال ضرورة لفتح المجال أمام الإصلاح الداخلي وإيجاد مساحات أكبر للتعبير السياسي، وهو ما مكّن قطاعات واسعة من الشعوب من الاستفادة من بيئة أقل قمعاً وأكثر قابلية للنمو التدريجي.
لكن الاعتدال لم يكن دائماً مرادفاً للحكمة. ففي لحظات حاسمة، بدا التيار المعتدل عاجزاً عن الدفاع عن القضايا القومية الكبرى، مثل قضية فلسطين أو مواجهة الهيمنة الأجنبية، حيث تم تفسير مواقفه على أنها تنازلات لا مفر منها.
هنا يبرز الجانب الأكثر إثارة للجدل: هل الاعتدال مجرد تكتيك لحماية الدول بانتظار لحظة أكثر ملاءمة للصدام؟ أم أنه نهج دائم يقوم على مساومات مستمرة لا تنتهي؟ هذا السؤال ظل مطروحاً بلا إجابة حاسمة، لأنه يعتمد على طبيعة النظام السياسي الذي يتبنى الاعتدال، وعلى مدى صدقه في ربط هذا الاعتدال بمصلحة وطنية حقيقية لا بمصلحة نخبة محدودة.
التباس المفهوم يمتد أيضاً إلى علاقة الاعتدال بالهوية الوطنية والقومية.
فهناك من يرى أن التيار المعتدل، تحت شعار “الواقعية”، يساهم في تذويب الخصوصيات الثقافية، ويفتح الباب أمام نفوذ خارجي يتدخل في السياسة والاقتصاد وحتى الثقافة. وهناك من يجادل بالعكس، بأن الاعتدال هو السبيل الوحيد للحفاظ على الهوية في زمن العولمة، لأنه يمنع الصدام المدمر ويتيح فرصة للتفاعل مع العالم دون فقدان الخصوصية.
الحقيقة أن كلا الرأيين يعكسان جانباً من الواقع، فليس كل اعتدال خيانة ولا كل مواجهة بطولة. الأمر يتوقف على كيفية ممارسة هذا الاعتدال، وعلى الهدف النهائي الذي يُراد الوصول إليه من ورائه.
التيار المعتدل في السياسة ليس ظاهرة عربية فقط، بل هو تيار عالمي له أشكال مختلفة.
ففي أوروبا مثلاً، يُنظر إلى الاعتدال على أنه أساس الديمقراطية التوافقية، حيث تلتقي الأحزاب المختلفة على قواسم مشتركة لتجنب الانقسامات الحادة.
وفي أميركا اللاتينية، ظهر الاعتدال كأداة لتجاوز الأنظمة العسكرية وبناء نظم مدنية متوازنة، وإن كان ذلك أحياناً على حساب تحقيق العدالة الاجتماعية بشكل كامل. هذه التجارب العالمية تعكس أن الاعتدال يمكن أن يكون أداة بناء أو أداة تعطيل، بحسب السياق الذي يعمل فيه.
من زاوية أخرى، فإن الاعتدال في العالم العربي غالباً ما ارتبط بالسياسات الخارجية أكثر من الداخل، أي أنه ارتبط بمواقف من قضايا كبرى مثل العلاقة مع الغرب أو الصراع العربي الإسرائيلي، بينما لم يُترجم دائماً إلى اعتدال حقيقي داخل المجتمعات نفسها. فكثير من التيارات التي وصفت بالمعتدلة مارست سياسات داخلية لا تختلف كثيراً عن الاستبداد، مكتفية باستخدام خطاب “الاعتدال” كواجهة خارجية.
وهذا يزيد من التباس المفهوم ويجعله محل شك دائم لدى الشعوب، التي ترى أن الاعتدال مجرد كلمة جميلة لتغطية واقع سياسي صعب.
ومع كل هذا، يظل الاعتدال خياراً لا يمكن إلغاؤه من قاموس العمل السياسي، لأنه ببساطة يمثل جانباً من طبيعة الإنسان نفسه الذي يسعى إلى الحلول الوسطى لتجنب المواجهة الدائمة.
لكنه في السياسة لا يصبح مجدياً إلا إذا ارتبط بقدرة حقيقية على حماية السيادة الوطنية وتحقيق مصالح الشعوب.
الاعتدال الذي ينطلق من قوة داخلية وثقة بالذات يمكن أن يكون وسيلة ناجحة لإدارة الصراع والتفاوض، أما الاعتدال الذي يقوم على الضعف والبحث المستمر عن رضا الخارج، فإنه يتحول إلى عبء ثقيل على الشعوب والدول.
الواقع إذن يفرض على التيار المعتدل أن يعيد تعريف نفسه بوضوح، وأن يبرهن بالأفعال لا بالأقوال على أنه لا يعني التفريط بالثوابت أو التنازل عن الحقوق، بل أنه يعني البحث عن حلول عملية تحفظ الكرامة والسيادة في آن واحد.
الاعتدال الحقيقي ليس سلوكاً سلبياً ولا استسلاماً، بل هو استراتيجية تقوم على إدارة الصراع بحكمة، مع الاستعداد للمواجهة حين يكون ذلك ضرورياً، وعلى قاعدة أن المصلحة الوطنية العليا لا يمكن أن تكون موضع مساومة.
وبين الالتباس والواقع، يظل التيار المعتدل في العالم العربي أمام مهمة صعبة: أن يقنع الشعوب بأنه ليس مجرد غطاء للانكسار، وأن الاعتدال الذي يتبناه ليس هروباً من المواجهة بل وسيلة لتقويتها على المدى البعيد. وفي النهاية، لن يُحكم على هذا التيار من خلال خطابه، بل من خلال مدى قدرته على بناء قوة داخلية راسخة، وصون الهوية الوطنية، والحفاظ على الثوابت القومية، مع التفاعل الواعي مع العالم. فإذا نجح في ذلك، فإن الاعتدال يصبح فعلاً خياراً استراتيجياً يحمي الأوطان.
أما إذا فشل، فسيظل كلمة فارغة تُستخدم لتبرير الواقع المرير، دون أن تغير فيه شيئاً.



