لايتمصر مباشر - الأخباروثائق وحكايات
أخر الأخبار

ليو تولستوي.. النبيل الذي تخلّى عن القصور ليصنع مجد الإنسانية

بقلم: محمد الشريف

 

البداية.. من قصور النبلاء إلى أكواخ الفقراء

في التاسع من سبتمبر عام 1828، وُلد ليو نيكولايفيتش تولستوي في مقاطعة «تولا» بروسيا، داخل أسرة من طبقة النبلاء الأرستقراطية، تمتلك مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، وتعيش حياة الرفاهية والترف.

لكنّ هذا الطفل الذي نشأ بين الخدم والمربّين، لم يكن كغيره من أبناء طبقته؛ فقد كان دائم التساؤل عن معنى الحياة والعدل والإنسانية منذ صغره، حتى تحوّلت تلك التساؤلات فيما بعد إلى ثورة فكرية وأدبية غيّرت وجه الأدب الروسي إلى الأبد.

 

حياة مليئة بالتحولات والبحث عن الحقيقة

 

بدأ تولستوي دراسته في جامعة كازان، لكنه لم يُكملها بسبب ملله من القيود الأكاديمية، فالتحق بالجيش الروسي وشارك في حرب القرم (1853 – 1856)، وهناك شاهد الموت عن قرب، وبدأت تتكوّن لديه رؤية فلسفية جديدة عن الحياة والإنسان.

وبعد الحرب، أصدر روايته الأولى “الطفولة” عام 1852، تلتها روايتا “الصبا” و**”الشباب”**، لتبدأ مسيرته الأدبية التي ستُخلّده كأحد أعظم أدباء العالم.

 

لكن مجده الحقيقي جاء مع روايتيه الخالدتين:

 

“الحرب والسلام” (1869) التي تجاوزت 560 ألف كلمة وتُعد من أطول الروايات في التاريخ، وتُرجمت إلى أكثر من 60 لغة.

“آنا كارينينا” (1877) التي صنّفتها الأكاديمية الروسية للأدب ضمن أفضل 10 روايات في التاريخ الإنساني.

 

الثروة التي رفضها.. والضمير الذي انتصر

 

رغم الشهرة الواسعة التي نالها تولستوي في حياته، فإنه فاجأ المجتمع الروسي بقرارٍ صادم؛ إذ تخلّى عن جميع ممتلكاته وأراضيه، ورفض أن تُورَّث له أو لأبنائه، وقرّر أن يعيش حياة البساطة في ريف «ياسنايا بوليانا».

كان يرى أن الثروة تُفسد الإنسان وتجعله عبدًا للمظاهر، بينما الفقر الحقيقي هو فقر القيم والرحمة.

فقد كتب في إحدى رسائله قائلاً:

“لقد كنتُ أعيش في قصورٍ فخمة، لكنني لم أعرف نفسي إلا حين جلستُ على الأرض مع الفلاحين.”

 

فكر إنساني سبق عصره

لم يكن تولستوي مجرد روائي، بل كان مصلحًا اجتماعيًا وفيلسوفًا أخلاقيًا.

دعا إلى نبذ العنف، والمساواة بين البشر، ورفض التسلّط الديني والسياسي.

وقد ألهم فكره زعماء عالميين مثل المهاتما غاندي الذي قال عنه:

 “قراءة تولستوي كانت نقطة التحوّل في حياتي.”

 

وتأثر بفكره كذلك مارتن لوثر كينغ في دعوته إلى اللاعنف والعدالة الاجتماعية.

 

الأدب الخالد والإنسانية الواسعة

 

تُرجمت أعمال تولستوي إلى أكثر من 90 لغة، وطُبعت منها مئات الملايين من النسخ حول العالم.

وحتى اليوم، ما تزال جامعات الأدب في أوروبا وأمريكا تُدرّس فلسفته ضمن مناهج الأخلاق والأدب المقارن.

وقد اختارته منظمة اليونسكو ضمن أعظم 5 أدباء أثروا في تاريخ البشرية.

 

ومن كلماته التي خلدها التاريخ:

“لا تُكثر الحديث عن الدين، بل دعني أرى الدين في أفعالك.”

“إذا شعرتَ بالألم فأنت حي، لكن إن شعرتَ بألم الآخرين فأنت إنسان.”

 

 

النهاية.. ميلاد جديد في قلب البساطة

 

توفّي ليو تولستوي عام 1910 عن عمر يناهز 82 عامًا، بعد أن ترك إرثًا فكريًا يفوق الوصف.

مات وهو في طريقه للبحث عن السلام الداخلي، ودفن في غابة صغيرة بالقرب من منزله، دون ضريح أو شاهد قبر، كما أوصى.

لقد عاش تولستوي نبيلًا بالروح لا باللقب، وكبيرًا بالضمير لا بالثروة.

ترك القصور وراءه، لكنه بنى أعظم قصر في ذاكرة الإنسانية.. قصر الأدب الخالد.

ميادة قاسم

تحيا_مــ𓁳_𓆃ـصــ𓅮ـر _𝕰𝖌𝖞𝖕𝖙𓁳𓄿𓅓

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى