اخلاقناالعائلةالمصريين في الخارجمصر مباشر - الأخبار

لماذا يختار الله الابتلاء؟ | فلسفة الألم في حياة المؤمن

كتبت/ دعاء علي

قد يسأل أحدهم: لماذا يُصاب المؤمن بالألم رغم صلاحه وإيمانه؟
سؤال يطرق القلوب قبل العقول، حين تضيق الأنفاس وتشتدّ الخطوب.
لكن الحقيقة أن الابتلاء ليس انتقامًا من الله، بل عناية خفيّة لا يفهمها إلا من ذاقها.
فالألم باب، من دخل منه صادقًا خرج منه أنقى، وأقرب إلى الله مما كان عليه قبل أن يُبتلى.

معنى الابتلاء في القرآن والسنة
الابتلاء في لغة القرآن ليس نقمة، بل امتحان للصدق والإيمان.
قال تعالى: “أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ”.. فالإيمان لا يُثبت بالكلمات، بل بالثبات ساعة الامتحان.
وقال ايضًا : “َلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ، وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ” .. فالابتلاء في جوهره امتحان للإيمان، ووسيلة لرفع الدرجات لا لكشف الضعف، فهو لغة الحبّ الإلهي التي لا يفهمها إلا من ذاق مرارتها ثم رأى حكمتها.
وفي الحديث الشريف: “أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل”.. وهذا يعني أن البلاء مقياسٌ لعلوّ المنزلة، لا دلالة على البُعد أو السخط.

الفرق بين البلاء والعقوبة
البلاء يمتحن، والعقوبة تطهّر.. فالأول لرفع الدرجات، والثاني لتكفير الزلات.
قد يبتلي الله عبده الصالح ليزيده قربًا، ويبتلي العاصي ليوقظه من غفلته،
لكن في الحالتين يبقى الأصل.. أن الابتلاء دعوة للرجوع إلى الله.
ومن عاد إليه خرج من النار وهو يشبه الذهب بعد الحرق، أكثر صفاءً ولمعانًا،
فالابتلاء تمحيص للقلوب كما يُمحَّص الذهب من شوائبه، لا يخرج منه إلا أصل المعدن النفيس.
وما دامت النار تمس الذهب لتكشف قيمته، فالألم يمس القلب ليُظهر صدقه.

دروس من ابتلاء الأنبياء
ابتُلي يوسف بالسجن فصار عزيز مصر.
وابتُلي أيوب بالمرض حتى صار رمزًا للصبر.
وابتُلي إبراهيم بالنار فكانت بردًا وسلامًا عليه.
حتى نبينا ﷺ حين اشتد عليه الأذى، خرج من البلاء وهو أرحم الخلق بالناس.
كل ابتلاء كان طريقًا إلى الرفعة، لا طريقًا للسقوط.

كيف نتعامل مع الألم؟
ليس المطلوب أن نحب الألم، بل أن نؤمن بمعناه.
أن ندرك أن الله لا يوجع قلوبنا عبثًا، وأن كل وجع يحمل رسالة.. قد تكون تذكيرًا، أو تطهيرًا، أو إعدادًا لخيرٍ قادم.
وقد قال الله تعالى في كتابه: “فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا”
فلم يقل بعد العسر، بل قال “مع” العسر.
وهذا وحده كافٍ ليطمئن القلب “أن اليسر يولد مع العسر، لا بعده”
وأن الرحمة تُخلق في نفس لحظة البلاء، تمشي معه جنبًا إلى جنب حتى ينقضي.
وهذا معنى لم أكن أراه من قبل بوضوح، حتى وقعتُ على كتاب “استرجع قلبك” لياسمين مجاهد.
فبصر قلبي بمعنى أن الألم ليس عقوبة، بل لغة من لغات الرحمة الإلهية، يُخاطب الله بها عباده الذين يحبهم، ليُعيدهم إليه أنقى وأقرب.

عقيدة الألم
وهنا يتجلى اليقين: أن الدنيا ليست دار جزاء، بل دار عبور، وأن المؤمن مأجور على كل ما يصيبه، حتى الشوكة يشاكها.
فوجب علينا الاحتساب والصبر، لأن الله يكافئ على الصبر خيرًا في الدنيا، وأبقى في الآخرة.
إن “عقيدة الألم” تُعلّمنا أن الوجع ليس عبثًا، بل عبادة خفيّة إذا احتُسبت، صارت زادًا إلى الجنة.
فالمؤمن يعلم أن الأجر في الصبر أعظم من لذّة الراحة، وأن في كل دمعة صامتة ميزانًا من الأجر لا يراه إلا الله، لذلك.. حين يأتي البلاء، فليستيقن قلبك أن الله اختارك ليمتحن إيمانك لا ليعذبك،
وأن ما عند الله خير وأبقى لمن صبر واحتسب.

 الوجع طريق النور
كل ألمٍ تمرّ به يحمل بين طيّاته رحمة متنكرة،
وكل دمعة تُساق إليك هي جزء من خطة إلهية لتقريبك منه.
إنه يختار من عباده من يُحبهم، فينقّيهم بالألم كما تُنقّى المعادن بالنار.
فإذا مرّ البلاء عليك، فلا تقل “ابتلاني الله”، بل قل “اصطفاني ليراني ثابتًا”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى