باسم خندقجي.. روائي انتصر بالكلمة على السجن والتعذيب

كتبت: نانيس عفيفي – ٢٦ أكتوبر ٢٠٢٥
بعد واحدٍ وعشرين عامًا من الأسر، خرج الكاتب والروائي الفلسطيني باسم خندقجي من سجون الاحتلال الإسرائيلي، ليُبعد إلى مصر ضمن اتفاق تبادل الأسرى الذي تم مؤخرًا بين حركة حماس وإسرائيل، ليبدأ من أرضها أولى خطواته نحو الحرية بعد أكثر من عقدين خلف القضبان.
من نابلس إلى الزنزانة
وُلد باسم خندقجي في مدينة نابلس عام 1983، وبرز منذ شبابه كصوتٍ ثقافي ناشئ يكتب المقال والشعر والقصة.
في نوفمبر 2004، اعتقلته قوات الاحتلال الإسرائيلي بتهمة المشاركة في التخطيط لعملية تفجيرية في القدس، ونُسبت القضية إلى كتائب شهداء الأقصى.
وبعد محاكمة عسكرية مطوّلة، حُكم عليه بـ ثلاثة مؤبدات متتالية، أي ما يعادل السجن مدى الحياة ثلاث مرات.
داخل الزنزانة، عاش خندقجي تجربة إنسانية قاسية؛ عُزل لسنوات طويلة، حُرم من الزيارات والكتب، وتعرّض للتعذيب والنقل المتكرر بين السجون.
لكن رغم القيد، لم يتوقّف عن الكتابة، بل جعل منها سلاحه في مواجهة العزلة والحرمان.
أدب وُلد من قلب القيود
بدأ خندقجي الكتابة في السجن بخطّ يده على أوراق قليلة تُهرَّب بصعوبة إلى الخارج، وتحولت زنزانته الصغيرة إلى مساحةٍ للخلق الأدبي.
أصدر أعمالًا حملت بصمته الفريدة، منها «نرجس العزلة»، «مسك الكفاية»، و*«قناع بلون السماء»*.
قال في إحدى رسائله:
«أنا لا أكتب عن الحرية، أنا أمارسها بالحروف.»
بهذه الفلسفة كتب روايته «قناع بلون السماء» التي فازت عام 2024 بـ الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)، ليصبح أول كاتبٍ أسير ينال هذا التتويج من داخل سجون الاحتلال.
حين يتحول الفرح إلى وجع
تخيّل أن تفوز بإحدى أكبر الجوائز الأدبية في العالم العربي، وبدل أن تحتفل بإنجازك أو تتسلّم تكريمك وسط جمهور القراء، تجد نفسك تُعاقَب عليه.
هكذا كان حال باسم خندقجي، الذي لم يتحمّل الاحتلال أن يخرج صوته من خلف القضبان إلى فضاء الثقافة، فحوّل فرحته إلى جولة جديدة من الألم.
ووفقًا لشقيقته آمنة خندقجي ونادي الأسير الفلسطيني، فقد كثّفت سلطات الاحتلال إجراءات التعذيب والعزل الانفرادي بحقه بعد فوزه بالجائزة، ومنعته من الكتب والزيارات، في محاولة لإخماد صوته الأدبي المتنامي.
كتب في روايته:
«السجن أفظع واقعة في الحياة.. غربة حديديّة صدئة.»
جملة تختصر معناه الحقيقي للسجن: أنه ليس فقط جدرانًا من حديد، بل محاولة مستمرة لإطفاء نور الداخل.
الحرية التي لا تُقهر
في تصريحاته بعد الإفراج، قال خندقجي إن الكتابة كانت سلاحه الأول ضد السجن والتعذيب، وإن الكلمة لا تُهزم مهما طال الليل.
قصة باسم خندقجي ليست حكاية أسير خرج من السجن، بل حكاية إنسان حوّل القيود إلى مفاتيح، والزنزانة إلى ورشة أدب.
إنها شهادة على أن الإبداع يمكن أن ينجو من كل شيء — حتى من جدران قمع الاحتلال.






