اخلاقنا

الضمير الغائب: هل ما زال أحد يشعر بالذنب؟

كتبت: بسمة أحمد

 

ضمير الإنسان بين الحياة والموت

الضمير هو ذلك الصوت الخافت الذي يهمس في داخلنا حين نخطئ، يذكّرنا بأن هناك فرقًا بين ما هو صواب وما هو خطأ. لكن في زمن تسارعت فيه المصالح وتبدلت فيه القيم، يبدو أن هذا الصوت بدأ يختفي، وأن كثيرًا من القلوب فقدت حساسيتها تجاه الذنب. حين يغيب الضمير تموت المبادئ وتُكفَّن الأخلاق، ويصبح الخطأ عاديًا، والكذب مهارة، والظلم ذكاءً اجتماعيًا.

مقياس الإثم في ضوء الحديث النبوي

يقول رسول الله ﷺ: «البِرُّ حُسنُ الخُلُقِ ، والإِثْمُ ما حاكَ في صدْرِكَ ، وكرِهْتَ أنْ يَطلِعَ عليه الناسُ». هذا الحديث الشريف يرسم بوضوح مقياس الضمير الحي، فالشعور بالقلق الداخلي تجاه الفعل الخاطئ هو الدليل على حياة الضمير، أما من اعتاد الخطأ حتى سكن ضميره، فقد فقد إنسانيته قبل أن يفقد سمعته.

القلب الذي يشعر بالذنب

قال تعالى: «وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ». هذه الآية تكشف أن الذنب لا يكون في الجوارح فقط، بل في القلب أيضًا. إن الإثم الحقيقي هو ما يلوث الداخل ويجعل الإنسان لا يشعر بالخطأ. فحين يصمت الضمير، لا يصبح الإنسان بريئًا بل فاقدًا للوعي الأخلاقي.

أسباب غياب الضمير

من أبرز أسباب غياب الضمير التعود على الخطأ حتى يصبح مألوفًا لا يثير قلقًا، وضغط المجتمع الذي يبرر الفعل الخاطئ بقوله “الجميع يفعل ذلك”، وضعف العلاقة بالله التي تُميت الحسّ الداخلي. وقد أشار القرآن إلى هذه الحالة في قوله تعالى: «ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً»، فالقلب القاسي لا يسمع نداء الضمير ولا يلين لصوت الحق.

طريق عودة الضمير

عودة الضمير تبدأ من لحظة صدق مع النفس، حين يواجه الإنسان ذاته دون أعذار. فالله سبحانه يقول: «قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ». إن الإحساس بالذنب ليس ضعفًا، بل هو بداية التطهر، ومن رحمة الله أنه جعل فينا هذا الصوت الداخلي ليعيدنا إليه كلما ضللنا الطريق.

الضمير حيّ لا يموت

الضمير لا يموت إلا إذا قرر صاحبه أن يتجاهله، ولا يعود إلا حين يقرر أن يسمع صوته من جديد. عندما يعتذر الإنسان، ويستغفر، ويختار الصواب رغم صعوبته، فذلك دليل أن ضميره ما زال حيًا. فالقوة ليست في قسوة القلب، بل في رقته، وليست في إنكار الذنب، بل في الاعتراف به والسعي إلى الإصلاح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى