وثائق وحكايات

مشروع الغابة الصامتة: كتب تنتظر قراء المستقبل

كتبت: بسمة أحمد

الغابة الصامتة… فكرة تُكتب في صمت

هل تخيّلت يومًا أن هناك كتبًا تُكتب اليوم، لكن لا أحد في العالم سيسمح له بقراءتها؟

في مكان ما في النرويج، هناك مشروع حقيقي يُدعى مشروع الغابة الصامتة أو Future Library Project، يحتفظ بكتب لم يقرأها أحد، ولن تُفتح صفحاتها قبل مرور قرن كامل.

بدأ المشروع عام 2014 بفكرة جريئة تجمع بين الأدب والوقت والرمز. كل عام، يُختار كاتب واحد فقط من بين كُتّاب العالم ليكتب كتابًا خاصًا يُسلم إلى إدارة المشروع، ويُغلق في غرفة محمية داخل مكتبة عامة في أوسلو. لا أحد يعرف محتواه، ولا حتى عنوانه، ولن يُنشر قبل عام 2114.

غابة تنمو من أجل الورق

لكن السرّ لا يقف عند حدود الكتب.

المشروع زرع غابة حقيقية مكوّنة من ألف شجرة في منطقة هادئة خارج أوسلو. هذه الأشجار تُروى وتُعتنى بها كل يوم، لأنها ستكون المصدر الوحيد لصناعة الورق الذي ستُطبع عليه تلك الكتب بعد مئة عام.

إنها الغابة الصامتة بحق — تنمو ببطء، كما تنمو الأفكار في عقول كتّابها، لتُصبح شاهدًا حيًا على الأثر الذي لا يُقرأ اليوم، بل يُترك للمستقبل.

كتب مخفية… وكتّاب يعرفون أنهم لن يقرأ كتبهم حتي أحفادهم

حتى الآن، يوجد أكثر من عشرة كتب أُودعت بالفعل في خزائن المشروع، كتبها أدباء عالميون مثل الكاتبة الكندية مارغريت أتوود، والإنجليزي ديفيد ميتشل، وغيرهما من ثقافات مختلفة.

اللافت أن الكُتّاب يعرفون تمامًا أنهم لن يروا نتاجهم مطبوعًا، ولن يقرأ أحد كلماتهم في حياتهم.

إنهم يكتبون للمستقبل، لجيل لم يولد بعد، بعقلية أخرى، ولغة قد تتغير مع مرور الزمن.

إنها كتابة لا تبحث عن شهرة، بل عن أثر خالد.

لمن تُكتب الكلمات؟

مشروع الغابة الصامتة يثير تساؤلات فلسفية أكثر من كونه مجرد تجربة أدبية:

هل نكتب لنُقرأ الآن؟ أم نكتب لنُذكر بعد رحيلنا؟

من يضمن أن هذا المشروع سيستمر حتى عام 2114؟

وماذا لو لم تعد القراءة موجودة؟ أو تغيّر شكل الإنسان كما نعرفه؟

قد تكون الغابة الصامتة محاولة لترك أثر هادئ وسط عالم مليء بالضجيج، أو وسيلة رمزية لقول “كنا هنا، وفكرنا، وكتبنا، حتى وإن لم يسمعنا أحد.”

الغابة الصامتة… وعد ينتظر قرنًا

بين الشجر والورق والزمن، تمتد رسالة المشروع:

أن بعض الكلمات لا تُكتب للعالم الآن، بل للعالم القادم.

حتى ذلك الحين، ستظل الغابة الصامتة تنمو في صمت، في انتظار يوم تُفتح فيه الكتب وتُقرأ لأول مرة، لتُعيد للأدب صوته بعد مئة عام من الصمت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى