كيف تدفعُ شعوبُنا ثمنَ مصالحِ الآخرينَ

الصفقاتُ أغلى من الأرواحِ … كيف تدفعُ شعوبُنا ثمنَ مصالحِ الآخرينَ
د. ليون سيوفي – باحثٌ وكاتبٌ سياسي
في عالمٍ تُقاسُ فيه السيادةُ بمقدارِ الأرباحِ والسيطرةِ على الثرواتِ، يبدو أن أرواحَ شعوبِنا لم تعد سوى سلعةٍ يمكنُ التفريطُ بها مقابل صفقاتٍ دوليةٍ مشبوهةٍ. ما شهدناه في غزةَ ولبنانَ، وما يحدث اليوم في السودانِ، يثبت بما لا يدع مجالًا للشكّ أن المصالحَ الدوليةَ تُقدّم دائمًا على حسابِ الإنسانِ، وأن “مكافحة الإرهابِ” لم تعد سوى غطاءٍ يُشرّعُ عملياتِ نهبِ الثرواتِ وفرضِ السيطرةِ، بينما يدفع الشبابُ والفقراءُ الثمنَ باهظًا، غالبًا بأرواحِهم.
في “غزةَ”، تحت ذرائع الحمايةِ الأمنيةِ ومكافحةِ “التهديداتِ”، تمّ استهدافُ الأبرياءِ، من أطفالٍ ونساءٍ وشيوخٍ، بينما تُسجّلُ الصفقاتُ الدوليةُ وتحديدُ مناطقِ النفوذِ بعيدةً عن أعينِ الشعبِ الفلسطينيِّ.
في “لبنانَ”، تلاحقنا مفاعيلُ صفقاتِ الطاقةِ والسيطرةِ على الحدودِ والمياهِ، حيث يتحوّلُ القرارُ الوطنيُّ إلى أداةٍ في يدِ قوى خارجيةٍ، والشعبُ يدفعُ الثمنَ بالاستقرارِ والأمنِ والمعيشةِ الكريمةِ.
أما في “السودانَ”، فالأزمةُ أعمقُ وأكثرُ مأساويةٍ. لا تقتصرُ الصراعاتُ على السلطةِ أو النفوذِ، بل تتحوّلُ المجازرُ إلى واقعٍ يوميٍّ بين أبناءِ الوطنِ الواحدِ، وبين أفرادِ الطائفةِ نفسها. هذهُ المواجهاتُ الداخليةُ تكشفُ عمقَ الانقساماتِ الاجتماعيةِ والسياسيةِ، لكنها في الوقتِ نفسه تُستغلُّ من قوى خارجيةٍ لتحقيق مصالحِها في السيطرةِ على المواردِ الحيويةِ: الأراضي الخصبةِ، المياهِ، النفطِ، والمعادنِ. القتلُ على الهويةِ والانتماءِ لم يعد وسيلةَ حربٍ داخليةٍ فحسب، بل أصبح أداةً لتنفيذِ صفقاتٍ دوليةٍ، حيث يُستثمرُ الصراعُ المحليُّ لإضعافِ الدولةِ وإخضاعِها لإرادةٍ خارجيةٍ. ما يحدث في السودانِ يُظهرُ بوضوحٍ أن الشعوبَ هي الثمنُ الحقيقيُّ لهذه الصفقاتِ، وأن كلَّ دمٍ يُسفكُ على الأرضِ يُحسب ضمن أرباحِ الآخرينَ، بينما المواطنُ السودانيُّ العاديُّ يدفع الثمنَ بأغلى ما يملك: حياته وكرامته وانتماؤه لوطنِه.
ومن هنا، تطرح التساؤلاتُ بوضوحٍ… من هي الدولةُ الرابعةُ التي قد تكون العيونُ عليها في المرحلةِ القادمةِ؟ لا أستبعد أن تتكرّر الأحداثُ على أرضِها كما حصل في هذه الدولِ الثلاثِ، فالمصالحُ الدوليةُ عادةً لا تتوقف عند حدودٍ معينةٍ، وتحديدُ الأهدافِ غالبًا يخضع للتوازناتِ الجيوسياسيةِ والتحكّم بالثرواتِ الطبيعيةِ الحيويةِ. هذه الدولةُ ستكون تحت المراقبةِ الشديدةِ، وستواجهُ ضغوطًا اقتصاديةً وسياسيةً وربما حتى عسكريةً، ما لم يكن لديها استعدادٌ ووعيٌ كاملٌ للدفاعِ عن سيادتِها وثرواتِها.
هذه العملياتُ ليست أحداثًا عابرةً، بل نظامُ مصالحٍ دوليٍّ متكاملٍ، يُحدد من يربحُ ومن يُقتلُ ومن يُنهبُ. الشبابُ، الذين ينبغي أن يكونوا رافعةَ التقدمِ والبناءِ، يتحوّلون إلى وقودٍ للصراعاتِ، في حين تُستباحُ الثرواتُ الطبيعيةُ: المياهُ، النفطُ، الذهبُ… وكلها تُستغلُّ لصالحِ تجّار مصالحٍ بعينهم، بينما يُتهمُ الضحايا بالشرِّ والتهديدِ، ويُصوّرُ القتلة وكأنهم بشرٌ، بينما الواقعُ يثبت أنهم مجردُ أدواتٍ.
إن مواجهةَ هذا الواقعِ تتطلّب أكثرَ من غضبٍ أو احتجاجٍ رمزيٍّ. علينا كأمةٍ أن نعيد تعريفَ سيادتِنا، ونضع آلياتِ حمايةٍ حقيقيةٍ لثرواتِنا وحقوقِ شعوبِنا، وأن نكشفَ النقابَ عن الصفقاتِ التي تُفرض علينا تحت شعاراتٍ واهيةٍ. لا يمكنُ للحريةِ والكرامةِ أن تُستعادَ إلا عندما نرفعَ الصوتَ ضد هذه الممارساتِ، ونعلنَ للعالمِ أن دماءَ شعبِنا ليست للبيعِ، وأن ثرواتِنا ليست سلعةً لمن يريد التحكمَ بنا.
في النهايةِ، هذه الرسالةُ ليست تحذيرًا عابرًا، بل دعوةٌ للعملِ الجديِّ والسياسيِّ. على القياداتِ الوطنيةِ، على وسائلِ الإعلامِ، وعلى المجتمعِ المدنيِّ أن يتخذوا موقفًا واضحًا يحمي أرواحَنا، ويضمن أن مصالحَ شعوبِنا لا تُستبدلُ بأرباحِ الآخرينَ، وأن كلَّ صفقةٍ تُفرض على حسابِنا لن تمرَّ مرورَ الكرامِ. لأن الثمنَ الحقيقيَّ لهذه الصفقاتِ هو حياةُ شبابِنا، وكرامةُ أجيالِنا القادمةِ.



