مصر مباشر - الأخباروثائق وحكايات

مليشيات الدعم السريع.. الذراع الإسرائيلي والإماراتي في السودان ومشروع العدوان الذي أسقطه الجيش السوداني

مليشيات الدعم السريع.. الذراع الإسرائيلي والإماراتي في السودان ومشروع العدوان الذي أسقطه الجيش السوداني

 

كتب: إبراهيم الهمامــي : 30 اكتوبر 2025

منذ اندلاع الحرب في السودان، بدأت تتكشف خيوط مؤامرة دولية معقدة استهدفت كيان الدولة السودانية وجيشها الوطني العريق، الذي يعد أحد أقدم وأقوى الجيوش في المنطقة العربية والإفريقية. لم تكن تلك الحرب، كما حاول الإعلام الغربي تصويرها، نزاعاً داخلياً بين قوتين على السلطة، بل كانت عدواناً منظماً متعدد الأطراف، جمع بين التمويل الإماراتي والتخطيط الاستخباراتي الغربي والدعم العسكري الإسرائيلي، بهدف إسقاط آخر الجيوش العربية الصامدة وتفكيك السودان كدولة محورية ذات موقع إستراتيجي فريد في قلب القارة الإفريقية والعالم العربي.

منذ ما سمي بـ“الربيع العربي”، عملت القوى الغربية والإسرائيلية على إعادة تشكيل المنطقة العربية عبر تفكيك جيوشها الوطنية، التي كانت تمثل الحصن الأول لسيادة الدولة واستقلال قرارها. فتم تدمير الجيش العراقي، وإنهاك الجيش السوري، وتمزيق الجيش اليمني، وإسقاط الجيش الليبي، حتى باتت المنطقة تعاني فراغاً أمنياً مروعاً ملأته المليشيات والتنظيمات المسلحة. ومع ذلك، ظل الجيش السوداني صامداً، يحتفظ ببنيته الوطنية المستقلة، فكان لا بد أن يصبح الهدف الجديد في سلسلة محاولات كسر الجيوش العربية.

لقد كان السودان بما يمتلكه من موقع جغرافي حيوي على البحر الأحمر، وبما يمثله من أهمية إستراتيجية تربط بين إفريقيا والعالم العربي، عقبة أمام تمدد النفوذ الإسرائيلي نحو عمق القارة الإفريقية، ولذلك قرر المخططون أن يبدأ العدوان من الداخل، عبر تمويل مليشيا محلية يتم تضخيم قوتها وتسليحها وتوجيهها لتكون رأس الحربة في مشروع إسقاط الدولة.

لعبت الإمارات الدور المالي الأساسي في تنفيذ هذا المشروع، فكانت الواجهة التي تم عبرها تمرير الأموال الضخمة تحت شعارات زائفة مثل “دعم الاستقرار الإقليمي” و“مساعدة السودان على الانتقال السياسي”، بينما كانت الأموال تُضخ لتمويل وتسليح مليشيا الدعم السريع وتمكينها من التمرد على الدولة. نقلت طائرات الشحن العسكرية كميات هائلة من الأسلحة من قواعد في إفريقيا الوسطى وتشاد، وشاركت شركات إماراتية في توفير غطاء تجاري لصفقات سلاح غير مشروعة، بينما تولت مصارف إقليمية عمليات غسيل أموال منظمة لتمويل تلك المليشيا المتمردة، وكل ذلك بإشراف أجهزة استخباراتية غربية تسعى لزعزعة التوازن داخل السودان والسيطرة على موارده وموانئه الحيوية على البحر الأحمر.

أما إسرائيل، فقد تولت الجانب الأخطر في هذا المخطط، إذ لم تكتف بالدعم السياسي والاستخباراتي، بل قدمت لمليشيا الدعم السريع منظومات تسليح متقدمة بينها راجمات الصواريخ LAR-160 بعيدة المدى، وأنظمة اتصالات تعتمد على الأقمار الصناعية، وطائرات مسيّرة هجومية وانتحارية تم تهريبها عبر دول الجوار. هذا الدعم الإسرائيلي المباشر لم يكن عملاً عابراً، بل جزءاً من إستراتيجية تهدف إلى إضعاف الجيش السوداني وإغراقه في حرب استنزاف تمنعه من بناء قدراته الدفاعية أو التحالف مع أي قوى إقليمية مناوئة للمشروع الصهيوني في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.

الحرب ضد السودان لم تكن حرباً تقليدية، بل كانت حرباً هجينة استُخدمت فيها الأدوات العسكرية والإعلامية والاقتصادية في آنٍ واحد. فقد سعت القوى الداعمة للمليشيا إلى ضرب الثقة بين الشعب وجيشه عبر الشائعات والإعلام الموجه، وفرضت حصاراً اقتصادياً غير معلن لتعطيل قدرات الدولة الدفاعية، كما تولت أجهزة استخبارات خارجية توجيه المليشيا ميدانياً عبر صور الأقمار الصناعية والإحداثيات الدقيقة. ومع ذلك، فشل هذا المشروع فشلاً ذريعاً أمام صلابة الجيش السوداني الذي خاض معركة غير متكافئة، لكنه أثبت فيها قدرة مذهلة على التكيّف والصمود والتخطيط المحكم.

حقق الجيش السوداني انتصارات حاسمة تمثلت في تدمير منصات راجمات الصواريخ الإسرائيلية الصنع في ضربات دقيقة، وإسقاط عشرات الطائرات المسيّرة في سماء الخرطوم والمناطق الإستراتيجية، وقطع خطوط الإمداد القادمة من الخارج، وتحييد خلايا استخباراتية كانت تعمل لصالح المليشيا داخل الأراضي السودانية، واستعادة السيطرة على معظم المواقع الحيوية في مختلف الولايات. كانت تلك الانتصارات دليلاً قاطعاً على أن إرادة الوطن قادرة على كسر كل مشروع خارجي مهما كان حجمه أو تمويله.

لقد تحول انتصار السودان إلى رسالة إستراتيجية كبرى مفادها أن الجيوش الوطنية العربية قادرة على الدفاع عن وجودها دون الحاجة إلى وصاية أو حماية أجنبية. فشل المشروع الإسرائيلي – الإماراتي في السودان يعني سقوط أول تجربة استخباراتية عسكرية صهيونية في إفريقيا، ويمثل بداية مرحلة جديدة تعيد للأمة العربية ثقتها في قدرتها على الردع والدفاع عن سيادتها. كما أثبت أن الوعي العسكري السوداني أصبح على مستوى عالٍ من الفهم لطبيعة الصراعات الحديثة، وأنه قادر على مواجهة الحروب الهجينة التي تجمع بين القوة الخشنة وحرب المعلومات.

لقد خاض السودان حرباً في الميدان وحرباً في الوعي. استخدمت المليشيات الإعلام الموجه لبث الخوف والارتباك، لكن وعي الشعب السوداني وإيمانه بجيشه أفشلا كل تلك المخططات، وقدم الشعب نموذجاً فريداً في الالتفاف حول مؤسسته العسكرية. لم يكن هذا الصمود مجرد دفاع عن وطن، بل دفاع عن الهوية والكرامة وحق الأمة في أن تبقى مستقلة بقرارها.

واليوم، بعد مرور أكثر من عام على اندلاع الحرب، يمكن القول إن السودان أصبح نقطة التحول في الصراع العربي – الإسرائيلي غير المباشر. لقد فشل تحالف المال والسلاح والإعلام في إسقاط الجيش السوداني، وأثبتت التجربة أن الوعي الوطني أقوى من المؤامرات الخارجية. ومن رحم هذه الحرب خرج جيل جديد من الضباط والجنود أكثر وعياً وإخلاصاً، لا يبيعون وطنهم ولا يخضعون لأجندات الخارج.

لقد أرادوا أن يكون السودان الحلقة الأخيرة في سلسلة تفكيك الجيوش العربية، لكن الله أراد أن يكون الجيش السوداني هو نقطة النهاية لتلك السلسلة. جيشنا اليوم لا يدافع فقط عن حدود السودان، بل عن كرامة الأمة بأكملها، وعن فكرة أن السيادة لا تُمنح بل تُنتزع. إن النصر الذي تحقق لم يكن نصراً عسكرياً فحسب، بل نصراً حضارياً يعيد للأمة العربية إيمانها بنفسها، ويؤكد أن الشعوب التي تحميها جيوش وطنية مخلصة لا يمكن أن تُهزم أبداً.

ميادة قاسم

تحيا_مــ𓁳_𓆃ـصــ𓅮ـر _𝕰𝖌𝖞𝖕𝖙𓁳𓄿𓅓

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى