مرقص باشا حنا… الرجل الذي أوقف سرقة كنوز توت عنخ آمون وواجه الإمبراطورية البريطانية

بقلم: محمد الشريف
الباشا الذي لم يره العالم جيدًا
في زمنٍ كانت فيه مصر ما تزال تئنّ تحت الاحتلال البريطاني، وفي لحظةٍ كانت فيها أنظار الدنيا كلّها تتجه إلى وادي الملوك بالأقصر بعد اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون، ظهر رجل مصري واحد قرر أن يقول “لا”.
لم يكن عالم آثار، ولا عسكريًّا، بل محاميًا وطنيًا حتى النخاع، اسمه مرقص باشا حنا. رجلٌ كتب فصلًا من أنبل فصول الدفاع عن الكرامة الوطنية، دون أن يحمل سلاحًا… بل استخدم قلمه وقانون بلده كسلاح ضد أقوى إمبراطورية في العالم.
الشرارة: حين منع كارتر المصريين من دخول المقبرة
في عام 1924، كان هوارد كارتر، مكتشف المقبرة الشهيرة، يتصرّف وكأن مقبرة توت عنخ آمون ملكه الخاص.
أغلق أبوابها في وجه المصريين، وفتحها فقط للغربيين والمصورين الأجانب.
لكن ما إن علم مرقص باشا حنا، وزير الأشغال في حكومة سعد زغلول، بما يحدث، حتى أصدر قراره التاريخي:
“تُغلق المقبرة فورًا بالضبة والمفتاح، وتُسلَّم للحكومة المصرية، ويُمنع دخولها إلا بإذن رسمي”.
قرار نزل كالصاعقة على البريطانيين. فالرجل لم يكتفِ بالغلق، بل أمر بتفتيش كل من يغادر المقبرة، حتى كارتر نفسه!
معركة على أرض الفراعنة
لم تتقبل الصحف البريطانية – وعلى رأسها التايمز – هذا التحدي، فشنّت حملة شعواء ضد الباشا المصري، وطالبت بمحاكمته.
لكن مرقص باشا لم يتراجع، بل شدّد الإجراءات أكثر، وقرر أن تكون أي زيارة للمقبرة تحت إشراف مصري كامل.
وفي خطوة ذكية، أمر بتسجيل كل قطعة أثرية داخل المقبرة بحضور كارتر نفسه، لتصبح أي محاولة تهريب جريمة قانونية تُدين مكتشف المقبرة أمام العالم.
المعركة القانونية الكبرى
الإنجليز لجأوا إلى القضاء، مدّعين أن اللورد كارنارفون – ممول الحفريات – له الحق في نصف محتويات المقبرة.
المحكمة المختلطة بالقاهرة حكمت لصالحهم، لكن مرقص باشا لم يستسلم، وتوجه إلى محكمة الإسكندرية حيث قدّم الدليل القاطع:
تصريح التنقيب نفسه ينصّ على أن التقسيم لا يجوز إلا إذا كانت المقبرة قد نُهبت مسبقًا.
وبما أن كارتر أعلن للعالم أن المقبرة “سليمة 100%”، فقد سقطت دعواهم قانونًا.
وهكذا، أصدرت المحكمة حكمها التاريخي: “المقبرة مصرية خالصة… ولا سلطة لأي محكمة أجنبية على آثارها.”
بعيدًا عن المقبرة: رؤية لبناء جيل جديد
مرقص باشا لم يكن يرى في نفسه وزيرًا فقط، بل مهندسًا لنهضة مصرية.
ففي الوثائق الحديثة، وُجد أنه أول من طالب بتدريب شباب مصريين على أعمال التنقيب جنبًا إلى جنب مع البعثات الأجنبية، ليصبحوا علماء آثار مصريين يديرون كنوز بلادهم بأنفسهم.
كما شارك في مجلس الجامعة المصرية، وساهم في تطوير التعليم العالي، وواكب افتتاح خط سكة حديد الأقصر – أسوان عام 1926، إدراكًا منه لأهمية ربط التنمية بالثقافة والتاريخ.
الدرع الذي حمى وجه الملك الذهبي
لم يكن مرقص باشا يبحث عن مجدٍ شخصي، ولا عن شهرةٍ في كتب التاريخ. لكنه ترك وراءه إرثًا خالدًا:
أن آثار الفراعنة بقيت في مصر.
لولا موقفه الجريء، لربما كانت كنوز توت عنخ آمون اليوم تزيّن متاحف لندن أو نيويورك.
إنه الرجل الذي واجه العالم بالقانون والوطنية، وصنع بقراراته لحظة من أنصع صفحات التاريخ المصري الحديث.
حين يكون الصمت ظلمًا
اليوم، ونحن نُبهر العالم بكنوز توت عنخ آمون في المتحف المصري الكبير، علينا أن نتذكر اسم مرقص باشا حنا، الرجل الذي لم يتردد لحظة في أن يواجه الإمبراطورية البريطانية وحده، ليحمي تراث أمةٍ كاملة.
إنه الدرع الذي حمى وجه الملك الذهبي… والضمير الذي أبقى آثار مصر في حضنها.




