
فكرة وأعداد: محمد الشريف
تشكل مبادرات تيسير الزواج على منصات التواصل الاجتماعي ملاذًا أخلاقيًا واجتماعيًا للعديد من الشباب والفتيات الباحثين عن العفاف وبناء أسرة مستقرة. غير أن القائمين على إدارة هذه الصفحات والمنصات الرقمية يواجهون تحديًا متزايدًا يتمثل في ظاهرة “الشروط التعجيزية” وارتفاع سقف التوقعات غير الواقعية لدى بعض المتقدمين، وهو ما يُفرغ هذه المبادرات النبيلة من مضمونها، ويحولها من جسور للتيسير إلى عقبات تعطل مسيرة تكوين الأسرة.
إزدواجية المعايير بين شروط الرجال ومتطلبات النساء
تظهر الفجوة بوضوح عند مراجعة طلبات واستمارات التعارف، حيث يضع بعض أطراف العلاقة شروطًا تتنافى مع فلسفة التيسير ومبدأ التكافؤ، ومن أبرزها:
المطالب المادية لبعض الفتيات
يشترط البعض امتلاك وحدة سكنية مستقلة بالكامل، مع رفض خيار الإيجار أو السكن العائلي مع وجود معيشة مستقلة، إلى جانب المبالغة في قيمة المهر والشبكة، مثل طلب مئات الآلاف من الجنيهات أو عشرات الجرامات من الذهب، بغض النظر عن الظروف الاقتصادية أو الحالة الاجتماعية للطرف الآخر.
الإبتعاد عن الواقع لدى بعض الشباب
في المقابل، يقتصر بعض الشباب على اشتراطات شكلية بحتة، مثل لون البشرة شديد البياض أو الشعر الأشقر أو العيون الملونة، أو الإصرار على الزواج من فتاة لم يسبق لها الزواج، رغم كون المتقدم نفسه مطلقًا ولديه أبناء.
التناقض في التعامل مع ملف الأبناء
ومن أبرز صور الازدواجية أيضًا قبول بعض المطلقات اصطحاب أبنائهن من زواج سابق، مع رفضهن استقبال أبناء الزوج، أو العكس، بما يتجاهل مبدأ العدالة والتكافؤ الإنساني الذي تقوم عليه الحياة الأسرية.
أزمة المؤهلات وعدم التكافؤ في طلبات الإرتباط
يمثل التكافؤ العلمي والثقافي أحد أهم عوامل نجاح الحياة الزوجية واستقرارها، إلا أن الواقع يكشف عن ارتفاع غير مبرر في سقف التوقعات.
فقد نجد من يحمل مؤهلًا متوسطًا أو شهادة جامعية نظرية يشترط الارتباط بطبيب أو مهندس أو صاحب مؤهل رفيع، وعند عدم تحقق ذلك تُوجَّه الانتقادات إلى القائمين على المنصة، رغم أن المشكلة تكمن في عدم واقعية الشروط.
إن التكافؤ الحقيقي لا يعني المغالاة في الاختيار، وإنما يعني وجود مساحة مشتركة من الثقافة والتفاهم والتقارب الاجتماعي والفكري، بما يضمن بناء أسرة مستقرة.
الإستهانة بآداب الخطبة وضوابط التواصل الرقمي
لم تقتصر الإشكالية على الشروط المادية أو الشكلية، بل امتدت إلى سلوكيات التواصل وآداب الخطبة عبر المنصات الرقمية.
تجاوز الضوابط الشرعية
يحاول بعض المستخدمين تقديم طلبات تحت مسمى “الزواج العرفي”، أو يطلبون صورًا شخصية للفتيات أو لأولياء أمورهن، وهي ممارسات ترفضها المنصات الجادة بشكل قاطع، وتتعامل معها بالحظر الفوري حفاظًا على الخصوصية وصيانة للأعراض.
غياب الجدية والالتزام
كما تتكرر حالات التقديم على عدة ترشيحات في الوقت نفسه، أو الحصول على أرقام أولياء الأمور ثم الانسحاب دون اعتذار أو توضيح، أو مغادرة جلسة الرؤية الشرعية دون تقديم رد مهذب يراعي مشاعر الطرف الآخر، وهو ما يعكس غياب ثقافة الالتزام واحترام الآخرين.
نحو ثقافة جديدة لتيسير الزواج الرقمي
إن المنصات والمبادرات الرقمية المخصصة لتيسير الزواج ليست مكاتب لتحقيق الأمنيات الخيالية أو ساحات لاستعراض الشروط التعجيزية، وإنما هي وسائل سخرها الله لتيسير الزواج بالحلال وفق معايير الجدية والصدق والمسؤولية.
ولكي تحقق هذه المبادرات أهدافها، فإن المجتمع بحاجة إلى إعادة ترتيب أولوياته، وجعل الدين والخلق والتكافؤ الاجتماعي أساس الاختيار، اقتداءً بقول النبي ﷺ:
«يسِّروا ولا تُعسِّروا، وبشِّروا ولا تُنفِّروا».
فكلما اقتربنا من منهج التيسير، زادت فرص بناء أسر مستقرة، وانخفضت معدلات العنوسة والتأخر في الزواج، وتعززت قيم المودة والرحمة التي يقوم عليها المجتمع.