غرناطة ” مدينة تعيش على اطراف الغياب

كتبت / دعاء هزاع الجابري
لم تكن غرناطة يوما مدينة عادية تختصر في خرائط أو تعرف بتواريخ السقوط والقيام ، بل كانت إحساسا طويل العمر وذاكرة تمشي على قدمين من حجر ، ومن يدخلها لا يشعر أنه يزور مكانا جديدا بل كأنه يعود إلى شيء قديم يسكنه منذ زمن بعيد ، شيء لا اسم له سوى الحنين ، ومن هنا تحديدا لا يبدأ التاريخ من الكتب بل من الهواء ، من الضوء المنكسر على الجدران ، ومن الصمت الذي يملأ الأزقة كدعاء خافت ، ” فغرناطة ” مدينة لا تحكي قصتها دفعة واحدة بل تهمس بها لمن يعرف كيف يصغي ولمن يفهم أن بعض المدن لا تروى بل تعاش ، فهي لا تكتب بالعقل وحده بل بالقلب الذي يعرف معنى الفقد ، هي المدينة التي لا تستقبلك بل تنتظرك كأنها تعرف أن من يأتيها يحمل في داخله حنينا ما حتى وإن لم يعرف سببه ، فبها لا تشعر أنك تزور مدينة غريبة بل تعود إلى شيء كنت تعرفه ثم نسيته
لقد كانت غرناطة يوما مدينة تعيش بكامل روحها ، لا تخاف الزمن ولا تشك في بقائها ، كانت الأبواب تفتح على المعرفة والبيوت تتنفس شعرا والماء يجري في القصور كما يجري في العروق ، فلم يكن الجمال ترفا بل ضرورة ولم تكن العمارة استعراضا بل صلاة صامتة يشترك فيها الحجر والإنسان ، ففي تلك الأيام كانت الأصوات أقل لكن المعاني أعمق ، حيث كان المساء يقاس بالجلوس والليل يقرأ بالنجوم والمدينة تعرف أسماء أبنائها كما تعرف طريقها إلى الضوء
وحين جاء السقوط ، لم تبك غرناطة بصوت عال فقد اختارت الصمت كمن يعرف أن البكاء لا يغير المصير ، فتبدلت الرايات وتغيرت الوجوه لكن الجدران بقت محتفظة بالسر ، والنوافذ استمرت تفتح على نفس الضوء كأنها ترفض الاعتراف بانتهاء الحلم ، فلم ترحل غرناطة قط بل اختبأت في التفاصيل ” في شكل الأزقة ، في انحناءة السلالم ، وفي ظل شجرة وحيدة داخل فناء مهجور ” ، وهاهي اليوم تمشي غرناطة كما يمشي من يحمل ذكرى ” ثقيلة ” ليست متعبة لكنها حذرة ، فالشوارع ما زالت ضيقة كأنها خلقت لتحفظ الأسرار ، والبيوت البيضاء ما زالت تعكس الشمس بلطف يشبه الاعتذار ، حيث سكانها لا يستعجلون الوقت فيجلسون طويلا وينظرون أكثر مما يتكلمون ويتركون للمساء حقه الكامل ، ففي وجوههم شيء من الطمأنينة وشيء من الأسى الهادئ كأنهم يعيشون مع تاريخ لم يعاصروه لكنه يسكنهم
ففي غرناطة الحجر ليس صامتا ، فقصر ” الحمراء ” لا يبدو كأثر مهجور بل كقلب ما زال ينبض ببطء ، والنقوش التي على الجدران ليست للزينة بل لتذكير العابرين أن من مروا من هنا قد أحبوا الحياة بعمق ، اما حي ” البيازين ” بأزقته المتعرجة يبدو كأنه يخشى أن ينسى فيلتف على نفسه ليحفظ شكله القديم ، أن كل نافذة هناك تطل على زمن آخر وكل باب يحمل أثر يد رحلت ولم تعد ،
فحتى الهواء في غرناطة حنين اخر ، فصيفها الحار يجعل الظل نعمة ليذكر الناس بقيمة الأفنية والنوافير ، حيث كان الماء يروض القسوة ويعلم الصبر ، اما شتاؤها البارد فيحمل صمتا خاصا يدفع المدينة للانكماش على ذاتها كمن يضم ذكرى كي لا تفلت ، وعندما تهب الرياح من ” سييرا نيفادا ” لا تأتي ببرودة فقط ، بل بذكريات لا اسم لها حيث يشعر بها القلب قبل أن يفهمها العقل
أن غرناطة لا تزال تحب الجلسات الطويلة والطعام الذي يؤكل ببطء والموسيقى التي لا تسمع بل تحس ، ” فالفلامنكو ” هنا ليست مجرد رقصة بل بكاء جميل يحمل في نبراته حزنا شرقيا لم يجد طريقه للخروج ، حتى الصمت عادة في هذه المدينة ، هو صمت لا يخيف بل يواسي كأن غرناطة تعلم أن بعض الأشياء لا تقال لأنها أعمق من اللغة ، فغرناطة ليست مدينة فقدت مجدها
بل مدينة تعلمت كيف تعيش بعده ، هي درس في أن الأماكن مثل البشر لا تموت حين تتغير بل تبقى حية ما دامت قادرة على أن تشعرنا بالحنين حتى إلى ما لم نعشه ، ومن يخرج من غرناطة يخرج وفي قلبه فراغ جميل ، فراغ يشبه ذكرى لا نعرف متى بدأت ، لكننا نعرف أنها لن تنتهي .



