الإقتصاد

” ثقافة الضجيج ونجومية اللاشيء ” المحتوى الهابط وصناعة الوهم

 

كتبت / دعاء هزاع الجابري

في عصر صارت فيه الشهرة أسرع من الفكرة ، والانتشار أسبق من القيمة ، لم يعد السؤال المطروح : ماذا نقدم ؟ بل : كيف نلفت الانتباه؟ ، عالم تتزاحم فيه الأصوات لكن القليل منها فقط يقول شيئا يستحق البقاء ، وبين هذا الضجيج المتصاعد يتشكل وعي جديد تعاد فيه صياغة مفهوم النجاح ، لا على أساس الجهد أو المعرفة ، بل وفق ما يلمع أكثر على الشاشات ولو كان بلا معنى

ففي هذا الزمن المزدحم بالضجيج ، لم يعد الصوت الأعمق هو الأعلى بل الأكثر تكرارا ، فقد اصبحنا نعيش في عالم تقاس فيه القيمة بعدد المشاهدات ويعرف النجاح بلمعان الشاشة لا بعمق الأثر ومن بين هذا الصخب ولد ما نسميه ” المحتوى الهابط ” ، محتوى لا يسأل : ماذا أقدم ؟ بل يلهث خلف سؤال واحد : كيف أُرى؟ ، هو محتوى يتكئ على المبالغة ويتغذى على الاستفزاز ويستعير ملامحه من الترندات العابرة ، لا روح له ولا جذور ، لا يعلم ولا يوقظ بل يمر سريعا كوميض فارغ ، ويترك خلفه فراغا أكبر ، ليس في ان الترفيه عيبا فالضحك حاجة إنسانية ، لكن العيب أن يتحول التافه إلى سيد المشهد ، وأن ينصب اليه بلا استحقاق قدوة يحتذى بها

حيث ساعدت الخوارزميات ببرودها الرقمي ، على هذا الصعود الغريب لذلك فهي لا ترى المعنى بل ترى الأرقام ، ولا تكافئ العمق بل التفاعل السريع ، ومع سهولة ذلك الإنتاج اصبح الطريق إلى الشهرة أقصر من طريق المعرفة وأخف من تعب الإبداع ، ووسط كل هذا يندفع البعض نحو الأضواء لا لأن لديهم ما يقولونه بل لأنهم يخشون ألا يلاحظوا ، لكن المأساة الحقيقية تبدأ حين يلبس هذا المحتوى ثوب الثراء المفاجئ ، حين يصبح الضجيج ذهبا والجدل عملة والشهرة طريقا مختصرا إلى المال ، فجأة يولد أثرياء بلا حكاية ، ونجوم بلا رسالة ، وتباع الأوهام على أنها نجاح ، وهكذا ترسم صورة مزيفة للحياة ، تقنعنا أن الصعود لا يحتاج جذورا وأن اللمعان يكفي ليكون مجدا

غير أن هذا المجد هش ، فيثقل صاحبه بالخوف من السقوط ليطارده ضغط الاستمرار ويجرده من خصوصيته حتى يتركه عالقا في دائرة التكرار ، أما المجتمع فيدفع هو الاخر الثمن الأثقل ، إذ تتآكل قيمة العلم ويبهت معنى العمل الجاد ويبحث المراهقون عن أنفسهم في مرايا لا تعكس سوى الفراغ ، ومع ذلك ليس كل ما ينتشر خواء ، فثمة محتوى يولد من فكرة وينتشر لأنه صادق ، ذكي ، ويخاطب العقل كما يلامس الروح ، فالمشكلة ليست في الانتشار بل في حين ينفصل الانتشار عن المسؤولية ، لذلك ومن ذلك نحن مطالبون بأن نكون مشاهدين أكثر وعيا وأقل انجرافا ، وأن نتوقف قليلا قبل المتابعة ونسأل بهدوء : ماذا يضيف هذا إلي ؟ ولماذا أراه ؟ ولمن أمنح وقتي ؟

فأن نختار بعناية ما نشاهد وما نشجع ، وما نسمح له أن يصوغ أذواقنا وأحلامنا
مهم لذواتنا وصقلها التربوي والفكري ، ولنتذكر دائما وسط هذا الزحام حقيقة لا تخفت مهما علا الضجيج وهي : ليس كل مشهور قدوة ، وليس كل بريق نورا ، ولا كل صعود نجاحا .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com