حق المسلمين في أرض فلسطين
كتب: إبراهيم رمضان الهمامي
فلسطين ليست مجرد أرضٍ متنازع عليها، وليست قضية سياسية تُطرح على موائد المفاوضات بين القوى الكبرى، بل هي قضية عقيدة وهوية، قضية أمة ارتبطت جذورها بالأرض منذ أن أشرقت شمس الرسالة الإسلامية من مكة والمدينة، وألقت بضيائها على بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، إنها قضية الإيمان والكفر، الحق والباطل، والكرامة والعبودية، ومن يقرأ التاريخ بعينٍ منصفة يدرك أن هذه الأرض لم تعرف الأمن والاستقرار إلا في ظل الإسلام وعدله، وأنها حين خرجت من دائرة السيادة الإسلامية سادها القهر، وضاعت فيها الحقوق، وانتهكت المقدسات.
فلسطين في العقيدة الإسلامية
يكتسب حق المسلمين في أرض فلسطين أول وأقوى أبعاده من العقيدة الإسلامية نفسها. فالله سبحانه وتعالى بارك هذه الأرض ورفع شأنها في كتابه الكريم فقال: “سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ” [الإسراء: 1].
إنها الأرض التي جعلها الله مباركة للعالمين، ومنها عرج النبي ﷺ إلى السماوات العلا، لتبقى القدس رمزًا للصلة بين الأرض والسماء، وبين الوحي والإنسان. ولذا، لم تكن فلسطين مجرد أرض في نظر المسلمين، بل أمانة في أعناقهم، وركن من أركان كرامتهم الدينية والروحية.
منذ عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حين دخل القدس بصلابة المؤمن العادل، كتب التاريخ صفحة مضيئة من التسامح الإسلامي حين أقرّ أهلها على دينهم وكنائسهم وأموالهم، في العهدة العمرية التي تُعدّ من أروع وثائق العدالة في التاريخ الإنساني. ومنذ ذلك اليوم، صارت فلسطين أرضًا إسلامية خالصة، فتحها المسلمون لا استعمارًا ولا طمعًا، بل لتكون دار عدلٍ وسلامٍ، ونموذجًا للتعايش الإنساني.
الحق التاريخي والحضاري للمسلمين في فلسطين
فلسطين عبر تاريخها الطويل لم تعرف هوية مستقرة إلا في ظل الإسلام. فمنذ الفتح الإسلامي عام 636م بقيت مرتبطة بالعواصم الإسلامية: دمشق، بغداد، القاهرة، ثم إسطنبول.
وخلال هذه العصور، بنى المسلمون فيها المساجد والمدارس والأسواق والمكتبات، وجعلوها مركزًا علميًا وثقافيًا يقصده العلماء من شتى البقاع.
ولم تكن القدس يومًا حكرًا على المسلمين وحدهم، بل عاش فيها اليهود والمسيحيون في أمنٍ وسلام تحت مظلة الحكم الإسلامي، وهو ما لم يتحقق لهم في ظل أي حكمٍ آخر.
أما بعد سقوط الخلافة العثمانية ودخول بريطانيا إلى المنطقة، فقد بدأ فصل جديد من فصول المؤامرة على هذه الأرض، حيث جاء وعد بلفور المشؤوم عام 1917 ليمنح من لا يملك لمن لا يستحق، ويزرع كيانًا دخيلًا في قلب الأمة الإسلامية.
ومنذ ذلك الحين، توالت النكبات: نكبة 1948 التي احتُلّت فيها فلسطين، ثم نكسة 1967 التي سقط فيها المسجد الأقصى تحت الاحتلال الصهيوني.
لكن رغم ذلك، لم يتغير شيء من حقيقة الحق، ولم يُمحَ من ذاكرة المسلمين أن القدس كانت وستظل عربية إسلامية الهوى والانتماء.
الحق الإنساني والقانوني
من منظور القانون الدولي، فإن احتلال أراضٍ بالقوة وتهجير سكانها الأصليين جريمة مكتملة الأركان. فالمجتمع الدولي، رغم ازدواجيته وصمته، أقرّ في قرارات الأمم المتحدة بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى أراضيهم.
إلا أن هذا الحق ظل حبرًا على ورق، لأن القوى الاستعمارية الكبرى – التي ساعدت على قيام الكيان الصهيوني – هي ذاتها التي تعرقل تنفيذ القرارات الدولية.
إن ما يجري في فلسطين اليوم من قتل للأطفال والنساء، وهدم البيوت فوق رؤوس ساكنيها، وحصار غزة وتجويع أهلها، ليس مجرد تجاوزات، بل جرائم ضد الإنسانية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
والسكوت عنها هو تواطؤ، بل خيانة لضمير البشرية، لأن العدالة لا تُجزّأ، ولا يجوز أن تُطبّق على البعض وتُستثنى منها شعوب أخرى فقط لأنهم مسلمون.
البعد السياسي والاستعماري
لا يمكن فصل قضية فلسطين عن مشروع الهيمنة الغربية في المنطقة العربية. فإقامة الكيان الصهيوني كانت خطوة استراتيجية لضمان استمرار السيطرة الغربية على الشرق الأوسط، ومنع أي نهضة عربية أو وحدة إسلامية حقيقية.
ولهذا، فإن الدفاع عن فلسطين ليس دفاعًا عن أرضٍ محددة فحسب، بل هو دفاع عن هوية الأمة واستقلالها السياسي والفكري.
إن الغرب الذي يتغنى بالديمقراطية وحقوق الإنسان، هو ذاته الذي يسلح الكيان الصهيوني بأحدث الأسلحة ويدعمه سياسيًا وإعلاميًا في وجه شعب أعزل، يُقتل ويُحاصر لأنه يرفض الذل والاستسلام.
واجب الأمة الإسلامية
واجب الأمة اليوم هو أن تُدرك أن قضية فلسطين ليست شأنًا فلسطينيًا فحسب، بل هي قضية الأمة الإسلامية جمعاء.
المسجد الأقصى ليس ملكًا لأهل القدس وحدهم، بل هو أمانة في أعناق مليار ونصف المليار مسلم. وإذا كانت الحدود قد فرّقت الجغرافيا، فإن العقيدة تجمع القلوب.
لقد تقاعس كثير من الحكام عن نصرة هذه القضية، واكتفى بعضهم بالبيانات أو المؤتمرات، بينما الأعداء يهدمون المسجد الأقصى حجرًا حجرًا.
لكن الأمل لا يموت، لأن الله تعالى وعد بالنصر والتمكين لمن ينصر دينه:”وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ” [الحج: 40].
إن المقاومة في فلسطين هي تعبير حيّ عن هذا الإيمان، فهي ليست مجرد رد فعل على الاحتلال، بل فعل إيمانيّ يعيد للأمة روحها ويذكّرها بعزتها.
ورغم الفقر والحصار، فإن الفلسطينيين يقدّمون للعالم درسًا خالدًا في الصمود، إذ يقفون بصدورهم العارية أمام آلة الحرب الصهيونية، ويُسقطون مقولة “الجيش الذي لا يُقهر”.
القدس والمستقبل
ستظل القدس – رغم كل ما يُحاك ضدها – عنوانًا للكرامة الإسلامية. ستبقى مآذنها تصدح بالأذان مهما حاولوا إسكاتها، وستظل دماء الشهداء التي روت أرضها لعنة على كل من خانها أو باعها.
ولن يتحقق السلام العادل إلا بعودة الحق لأصحابه، وعودة المسجد الأقصى إلى حاضنته الإسلامية، وزوال هذا الاحتلال الغاشم الذي أقيم على جماجم الأبرياء.
إن أجيال الأمة الصاعدة يجب أن تُربّى على وعي هذه القضية، لأنها ليست قضية جيلٍ أو زمنٍ محدد، بل قضية وجودٍ ومصير، ففلسطين هي مقياس عزة الأمة وكرامتها، ومن يتنازل عنها يتنازل عن شرفه ودينه وتاريخه.
الخاتمة
إن حق المسلمين في أرض فلسطين ليس فضلًا من أحد، بل هو حق ثابت بالوحي والتاريخ والقانون.
هي أرض الأنبياء، ومسرى الرسول، ومهد الشهداء.
وقد حاول العدو الصهيوني بكل وسائله أن يزوّر التاريخ ويمحو الهوية، لكنه فشل، لأن الأرض تعرف أصحابها، والتاريخ لا يُكتب بالبندقية وحدها.
إن الأقصى ينادي أمته اليوم أن تنهض من سباتها، وأن تدرك أن التحرير لا يُوهب، بل يُنتزع، وأن الأمة التي تملك الإيمان والعقيدة لا تُهزم أبدًا مهما طال ليل الاحتلال.
> “وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا” [الإسراء: 81].



