
بقلم: محمد الشريف
يُعدّ عقد الزواج في الإسلام من أعظم العقود، إذ يقوم على الرضا والموافقة الصريحة بين الطرفين، وفق ضوابط شرعية دقيقة تحفظ للمرأة كرامتها وحقوقها. ومن المسائل التي يكثر حولها النقاش: هل تحتاج البنت البكر إلى إذن وليّها؟ وهل يحق للثيّب أن تزوّج نفسها دون وليّ؟
حكم استئذان الولي للبنت البكر
اتفق العلماء على أنّ الوليّ شرطٌ لصحة زواج البكر، استنادًا إلى حديث النبي ﷺ:
“لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل” (رواه أبو داود والترمذي).
كما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال:
“الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تُستأذن في نفسها، وإذنها صماتها.”
أي أن الوليّ لا يُجبر البكر على الزواج، بل يستأذنها، فإن وافقت بالصمت أو بالكلمة، زوّجها وليّها بما فيه المصلحة.
حكم زواج الثيّب بنفسها
الثيّب هي التي سبق لها الزواج، وقد ورد في الحديث أن “الأيم أحق بنفسها”، أي أن الثيّب لها من الحرية في اختيار الزوج ما ليس للبكر، لأنها خبرت الحياة الزوجية، وتدرك مصلحتها أكثر.
وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن الثيّب لا تُجبر على الزواج أبدًا، بل لا يصح عقد زواجها إلا برضاها الصريح.
أما عن مسألة تزويجها لنفسها دون ولي، فقد اختلف الفقهاء:
الحنفية يرون أنه يجوز لها أن تزوّج نفسها إذا توافرت الكفاءة والمهر المثل.
الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة) يشترطون وجود الوليّ، لأن الوليّ يحفظ الحقوق ويمنع الاستغلال.
حكمة وجود الولي في الزواج
وجود الوليّ في الزواج ليس انتقاصًا من حق المرأة، بل ضمانٌ لحمايتها من الغرر والتلاعب، وللتأكد من اختيار الزوج الكفء، خاصة للبكر التي لم تخبر الحياة بعد.
أما الثيّب فلها رأيٌ مستقلّ أقوى بحكم تجربتها، ومع ذلك فوجود الولي يظلّ عنصرًا من عناصر استقرار الأسرة وتنظيم العقد.
الزواج في الإسلام قائم على الرضا
أجمع العلماء أن الرضا ركن أساسي في الزواج، فلا يصحّ عقدٌ بالإكراه، سواء للبكر أو الثيّب. وقد جاء الإسلام ليكرّم المرأة ويجعل رضاها شرطًا شرعيًا لحفظ كرامتها ومكانتها في المجتمع.
توازن الشريعة الإسلامية بين الولاية والحرية الشخصية، فلا تُجبر المرأة ولا تُترك بلا حماية، بل تجعل القرار مشتركًا بين رضاها وموافقة وليّها، بما يحقق العدالة والمصلحة للطرفين ويحفظ الأسرة من التفكك.



