لايت

متلازمة ستوكهولم: لغز التعاطف مع الأسر في أعماق النفس البشرية

الإعلامية «جاسيكا عزت» تكتب عن .. «متلزمة ستوكهولم» ..

متلازمة ستوكهولم: لغز التعاطف مع الأسر في أعماق النفس البشرية

 

**بقلم: جاسيكا عزت**

 

ما الذي يدفع إنساناً إلى التعاطف مع من أسره أو أذاه؟ كيف يمكن لضحية الاختطاف أن تتحول إلى مدافعة عن خاطفها؟ هذه الأسئلة تتردد في أذهاننا عندما نتحدث عن **متلازمة ستوكهولم**، الظاهرة النفسية المثيرة للجدل التي أذهلت العلماء والجمهور على حد سواء. في هذا المقال، نغوص في أعماق هذه المتلازمة، مستكشفين أصولها، أعراضها، أسبابها، وعلاجها، مع لمحات من أبرز الأفلام التي تناولتها، ونقارنها بمفهوم المازوخية لفهم الفروق الجوهرية بينهما.

 

 **ما هي متلازمة ستوكهولم؟**

 

متلازمة ستوكهولم هي ظاهرة نفسية معقدة تُصيب الأفراد عندما يبدأون بالتعاطف أو التعاون مع من أسرهم أو تسبب في أذيتهم. قد تبدو هذه الاستجابة غير منطقية، بل ومتناقضة مع الفطرة البشرية، لكنها تنشأ غالبًا في سياقات الاختطاف أو احتجاز الرهائن. فعلى سبيل المثال، قد يرى المختطَف في خاطفه لمحة من “الرحمة” عندما يمتنع عن إيذائه بشكل أكبر، فيبدأ بتطوير مشاعر إيجابية تجاهه، تصل أحيانًا إلى حد الدفاع عنه أو تبني أفكاره.

 

تشير إحصاءات ملفات الشرطة إلى أن حوالي 8% من حالات احتجاز الرهائن تُظهر أعراض هذه المتلازمة، وهي ليست حكرًا على حالات الاختطاف فقط، بل تمتد إلى سياقات أخرى مثل العلاقات المسيئة أو الاعتداءات المستمرة. يُفسر علماء النفس هذا السلوك كاستراتيجية بقاء نفسي، حيث يشعر الضحية بالعجز التام أمام الخاطف، فيحاول عقله الباطن التأقلم عبر تحويل المشاعر السلبية إلى تعاطف أو ارتباط عاطفي.

 

 

 **لماذا سُميت بمتلازمة ستوكهولم؟**

 

تعود تسمية هذه المتلازمة إلى حادثة شهيرة وقعت في العاصمة السويدية ستوكهولم عام 1973، عندما سطت مجموعة مسلحة على بنك واحتجزت رهائن لمدة ستة أيام. خلال هذه الفترة، أظهرت بعض الرهائن تعاطفًا غريبًا مع خاطفيهم، بل ودافعوا عنهم أمام السلطات. لكن القصة التي جعلت هذه المتلازمة محط أنظار العالم ارتبطت بشكل خاص بـ**باتريشيا (باتي) هيرست**، حفيدة قطب الصحافة الأمريكي ويليام راندولف هيرست.

 

في عام 1974، اختُطفت هيرست، التي كانت تبلغ من العمر 19 عامًا، على يد جماعة يسارية متطرفة. تعرضت للضرب المبرح، الحبس في غرفة مغلقة، التقييد، وتهديدات بالقتل. طالب الخاطفون عائلتها بتوزيع مواد غذائية بقيمة ملايين الدولارات على الفقراء، وهو ما نفذه والدها جزئيًا. لكن المفاجئ أن هيرست بدأت تُظهر تعاطفًا مع الخاطفين، بل وشاركتهم لاحقًا في أنشطتهم الإجرامية. دافع محاموها عنها لاحقًا مدعين أنها خضعت لـ”غسيل دماغ” ناتج عن متلازمة ستوكهولم، وهو ما أثار جدلاً واسعًا حول طبيعة هذه الظاهرة.

 

لاحقًا، أظهرت الأبحاث أن هذا السلوك لم يكن نادرًا، بل شائعًا نسبيًا في حالات مشابهة، مما جعل متلازمة ستوكهولم موضوعًا رئيسيًا في دراسات علم النفس.

 

 

 **أبرز الأفلام التي تناولت متلازمة ستوكهولم**

 

لطالما كانت هذه الظاهرة مصدر إلهام للسينما العالمية، حيث تناولت العديد من الأفلام هذا الموضوع بأساليب درامية ونفسية مكثفة. من بين هذه الأفلام:

 

1. **King Kong (1933)**: يصور علاقة معقدة بين الأسيرة ووحشها.

2. **Dog Day Afternoon (1975)**: مستوحى من قصة سطو حقيقية تُظهر تعاطف الرهائن مع الخاطفين.

3. **Three Days of the Condor (1975)**: يستكشف التوتر النفسي بين الأسر والحرية.

4. **V for Vendetta (2005)**: يعكس ديناميكيات السلطة والتعاطف في إطار سياسي.

5. **Buffalo ’66 (1998)**: يتناول علاقة عاطفية معقدة تنشأ في ظل الأسر.

6. **3096 Days (2013)**: مستوحى من قصة حقيقية لضحية اختطاف.

7. **A Perfect World (1993)**: يصور علاقة بين هارب ورهينته.

8. **Tie Me Up! Tie Me Down! (1989)**: دراما إسبانية تتناول التعاطف العاطفي.

9. **The Night Porter (1974)**: يستكشف العلاقات المعقدة بين الضحية والمعتدي.

10. **Interrogation (1982)**: يعالج الصراعات النفسية في سياق الأسر.

11. **Tom at the Farm (2013)**: يسلط الضوء على التوتر النفسي.

12. **Elle (2016)**: يستكشف العلاقات المعقدة بعد الاعتداء.

13. **Goya’s Ghosts (2006)**: يتناول الصراعات النفسية في سياق تاريخي.

14. **The Piano Teacher (2001)**: يعكس الصراعات العاطفية والنفسية.

15. **Sleeper (1975)**: يتناول الموضوع بأسلوب كوميدي درامي.

 

هذه الأفلام تقدم رؤى متنوعة حول كيفية ظهور المتلازمة في سياقات مختلفة، مما يجعلها أدوات قيمة لفهم هذه الظاهرة.

 

 

 **متلازمة ستوكهولم مقابل المازوخية: ما الفرق؟**

 

قد يبدو هناك تشابه سطحي بين متلازمة ستوكهولم والمازوخية، لكن الفروق جوهرية. المازوخية، في تعريفها التقليدي، ترتبط غالبًا بالميول الجنسية التي تستلزم الشعور بالمتعة من الألم أو الخضوع. أما في سياق أوسع، فالمازوخية قد تشير إلى سلوكيات تضع احتياجات الآخرين فوق احتياجات الفرد، نتيجة عوامل بيئية أو تجارب طفولة، مما يؤدي إلى انخفاض الثقة بالنفس أو الشعور بالذنب.

 

في المقابل، متلازمة ستوكهولم هي استجابة نفسية محددة تنشأ في ظروف القهر والأسر، حيث يحول العقل الباطن المشاعر المؤلمة إلى مشاعر إيجابية كآلية للتكيف مع الواقع القاسي. بمعنى آخر، يمكن اعتبار بعض أشكال المازوخية مظهرًا من مظاهر متلازمة ستوكهولم في سياقات معينة، لكن الأولى أكثر شمولية وارتباطًا بالسلوكيات طويلة الأمد، بينما الثانية مرتبطة بحالات محددة من الأسر أو الاعتداء.

 

 

 **أعراض متلازمة ستوكهولم**

 

تتجلى أعراض هذه المتلازمة في سلوكيات غير متوقعة للضحية، منها:

1. التعاطف مع المعتدي أو الخاطف.

2. تطوير مشاعر إيجابية، بل وحب، تجاه الأسر.

3. رفض مغادرة الأسر حتى عند توفر الفرصة.

4. إدراك الضحية لـ”إنسانية” الخاطف والاعتقاد بأن لديهما أهدافًا مشتركة.

5. مشاعر سلبية تجاه من يحاولون مساعدتها، مثل الشرطة أو الأصدقاء.

 

 

 **العلاج: رحلة التعافي من الأسر النفسي**

 

متلازمة ستوكهولم ليست اضطرابًا نفسيًا معترفًا به رسميًا في الدليل التشخيصي للأمراض العقلية، مما يجعل علاجها تحديًا. ومع ذلك، يمكن أن تُعالج الأعراض المرتبطة بها باستخدام العلاج النفسي الموجه لاضطرابات ما بعد الصدمة (PTSD)، الاكتئاب، أو القلق. تشمل الخطوات الأساسية لمساعدة المصابين:

 

– **فهم الأعراض والأسباب**: يجب على المعالجين والمقربين فهم السياق النفسي للضحية قبل التدخل.

– **تجنب تشويه صورة المعتدي**: لكسب ثقة المصاب، يُفضل عدم مهاجمة الخاطف مباشرة.

– **الاستماع دون إصدار أحكام**: السماح للضحية بالتعبير عن مشاعرها دون لوم.

– **طرح أسئلة مفتوحة**: لفهم وجهة نظر الضحية ومساعدتها على التفكير في تجربتها.

 

العلاج النفسي طويل الأمد، مثل العلاج السلوكي المعرفي، قد يكون فعالًا في إعادة بناء الثقة بالنفس وتجاوز الصدمة.

 

 **خاتمة: لغز النفس البشرية**

 

متلازمة ستوكهولم تظل واحدة من أكثر الظواهر النفسية إثارة للدهشة، حيث تكشف عن قدرة العقل البشري على التكيف مع أقسى الظروف. من قصة باتي هيرست إلى الأفلام التي استلهمت هذه الظاهرة، تستمر هذه المتلازمة في إثارة التساؤلات حول طبيعة العلاقات بين الضحية والمعتدي. فهم هذه الظاهرة ليس مجرد دراسة نفسية، بل دعوة للتأمل في مرونة النفس البشرية وقدرتها على تحويل الألم إلى تعاطف، حتى في أحلك اللحظات.

 

**جاسيكا عزت** هي إعلامية وكاتبة صحفية تكتب عن القضايا النفسية والاجتماعية في أبرز الصحف المصرية. يمكنكم متابعة مقالاتها عبر مصر مباشر

 

1. متلازمة ستوكهولم

2. Stockholm Syndrome

3. التعاطف مع الخاطف

4. ظاهرة نفسية

5. اختطاف الرهائن

6. باتي هيرست

7. علم النفس

8. العلاقات المسيئة

9. أعراض متلازمة ستوكهولم

10. علاج متلازمة ستوكهولم

11. المازوخية

12. أفلام عن متلازمة ستوكهولم

13. الاضطرابات النفسية

14. التكيف النفسي

15. استراتيجيات البقاء النفسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى