اخبار العالم

” عملية ناندا ديفي ” حكاية التجسس النووي في قمم الهيمالايا

 

كتبت / دعاء هزاع الجابري

في زمن كانت فيه ” الذرة ” تدار كما تدار الأسرار ، لم تكن الجبال مجرد تضاريس صامتة بل حدودا خفية بين الحقيقة والكتمان ، في أعالي” الهيمالايا ” حيث يذوب الصوت قبل أن يصل صداه ، وحيث تختفي الآثار تحت طبقات الجليد ، دارت واحدة من أخطر مغامرات الحرب الباردة ، مغامرة لم تطلق فيها رصاصة لكنها حملت في طياتها قوة تدمير صامتة ، هناك فوق قمم لا تعرف السياسة ولا تعترف بالخرائط ، التقت الاستخبارات بالطبيعة وتوارى سباق القوى الكبرى خلف ستار العلم ، ليترك خلفه سؤالا مفتوحا وهو : إلى أي حد يمكن أن يذهب العالم حين يصبح الخوف وقود القرارات؟

ففي خريف عام 1964م ، لم يكن دوي التجربة النووية ” الصينية ” مجرد انفجار في صحراء نائية ، بل رجة عميقة هزت موازين العالم ، فبعيدا عن العيون أعلنت الصين دخولها نادي القوى النووية لتفتح صفحة جديدة من القلق في عواصم القرار ، وعلى رأسها ” واشنطن ” ، التي رأت في ذلك التحول خطرا يتسلل بهدوء إلى قلب الحرب الباردة ، لقد كان العالم آنذاك يعيش على حافة الأعصاب ، حيث حرب فيتنام تستعر ، والتحالفات تتبدل ، والخرائط ترسم بالحبر والدم معا ، وفي هذا المناخ المشحون أدركت الولايات المتحدة أن المعرفة أصبحت سلاحا لا يقل فتكا عن القنابل ، وأن فهم ما تخفيه بكين خلف جبالها الشاهقة بات ضرورة وجودية لا ترفا استخباراتيا ، غير أن الصين لم تكن كتابا مفتوحا ، فقد أحاطت برامجها النووية والصاروخية بمتاهة من الجبال الوعرة والصحارى المقفرة ، وكأن الطبيعة نفسها قررت أن تكون حارسا أمينا وفيا لأسرارها ، ومن هنا ولدت فكرة مجنونة بقدر جرأتها في الصعود إلى سقف العالم حيث جبال ” الهيمالايا ” هناك حيث يصمت البشر وتتكلم الثلوج

في قلب تلك السلسلة الجبلية المهيبة ، ارتفع جبل ” ناندا ديفي ” شامخا ، أبيضا ، ومخيفا في آن واحد ، جبل لا يرحم من يخطئ الحساب ولا يغفر لمن يستخف بقسوته ، فقد خططت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية هناك بالتعاون مع أجهزة هندية سرية لزرع عين خفية تراقب الصين من فوق الغيوم ،
لم يكن الجهاز المزمع زرعه مجرد آلة تنصت عادية ، بل قلبا نوويا صغيرا ينبض بالبلوتونيوم ، ويمد أجهزة الاستشعار بالطاقة في صمت طويل ، وقادر على التقاط همسات التجارب النووية والصاروخية القادمة من وراء الحدود ، ولأن الحقيقة لا تحتمل الضوء دائما ارتدت العملية قناع العلم ، وتخفت بثوب الأبحاث الجوية والمناخية ، وفي عام 1965م ، انطلقت المجموعة المختارة بعناية والمكونة من ” رجال يعرفون كيف يتنفسون في الارتفاعات القاتلة، وكيف يوازنون بين التكنولوجيا النووية وحبال التسلق ” ، الا ان الهيمالايا لم تكن طرفا محايدا في هذه المغامرة ، فقد استقبلتهم بعواصف ثلجية عاتية وبرد يخترق العظام وانزلاقات جليدية لا تفرق بين خطوة محسوبة وخطأ قاتل ، ومع اشتداد العاصفة اتخذ القرار الأصعب في ترك الجهاز على حافة جليدية ، كأمانة معلقة بين السماء والأرض ، على أمل العودة يوما ما لاستعادته ، لكن الجبل كان له رأي آخر فقد اختفى الجهاز ، وابتلعه الجليد وانزلق إلى أعماق لا تصلها الأقدام ولا الاعترافات

لم يكن الاختفاء مجرد فشل تقني ، بل بداية خوف صامت ، بلوتونيوم مدفون في قلب الجليد يهدد إن تسرب أنهارا تتغذى منها شعوب بأكملها ، اي ان هنالك خطر بيئي يذوب ببطء مع كل موسم ذوبان ، وسر سياسي لا يقال إلا همسا في الغرف المغلقة ، ولعقود طويلة بقيت القصة حبيسة الأدراج السرية ، لقد كان ملفا مغلقا بعناية ، إلى أن تسللت بعض الوثائق إلى العلن فاشتعل الجدل في الهند والولايات المتحدة ، ولم تكن الأسئلة حينها عن نجاح العملية أو فشلها بل عن الثمن الذي يمكن أن يدفع حين تتقدم الاستخبارات على الطبيعة ؟ وحين تدفن مواد نووية في أماكن لم تعرف يوما معنى الحرب ! ، فلم تكن عملية ناندا ديفي حادثة استثنائية ، بل مرآة صادقة لزمن كانت فيه الحرب الباردة تدار بصمت وتتخذ فيها قرارات خطيرة باسم الأمن القومي ، دون اكتراث كاف لعواقبها البعيدة ، حيث كان السباق النووي في ذاك الزمن سباقا نحو المجهول لا يعرف حدودا أخلاقية ولا بيئية ، واليوم وبعد أكثر من نصف قرن ، ما زالت أصداء تلك العملية تتردد في كواليس السياسة الدولية كتذكير دائم بأن ذاكرة التجسس لا تموت ، وأن الصين والولايات المتحدة لا تنظران إلى بعضهما بمعزل عن تاريخ طويل من الشك والمراقبة ، كما تكشف القصة بوضوح مؤلم

أن المخاطر الإشعاعية والبيئية كانت دوما جزءا من معادلة القوة ، ودرسا لم تستوعبه البشرية بالكامل بعد ، إنها حكاية جبل صامت وجهاز مفقود وعالم ظن أن السيطرة على الذرة تعني السيطرة على المصير ، قبل أن يكتشف أن بعض الأسرار حين تدفن في الجليد ، لا تذوب بسهولة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com