الانطفاء ليس ضعفًا.. بل بداية جديدة للنور

بقلم / ذكرى الزعبي
زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة وتزداد الضغوط اليومية، يعيش كثيرون لحظات من الإنهاك النفسي يسمونها “انطفاءً داخليًا”. ذلك الشعور الصامت الذي يسرق البهجة ويطفئ الشغف، حتى من أكثر الناس نجاحًا واستقرارًا. غير أن هذا الانطفاء، كما يؤكد المختصون النفسيون والكتاب، ليس ضعفًا كما يُظن، بل هو إشارة لبداية جديدة.
تقول إحدى الكاتبات: “حين تنطفئ، لا يعني أنك انتهيت، بل يعني أنك إنسان… يتعب ويحتاج إلى وقت ليعيد إشعال نوره.”.
كلمات تبدو بسيطة، لكنها تختصر حقيقة مؤلمة يعيشها كثيرون. فكم من شخص يؤدي دوره في العمل أو الأسرة باقتدار، لكنه يشعر في داخله أنه فقد الاتصال بنفسه.
معركة صامتة خلف الوجوه الهادئة
“ليلى” نموذج لتلك الحالة. فتاة ناجحة في عملها، مثالية في نظر الجميع، لكنها كانت تخوض معركة صامتة مع ذاتها. تقول: “أؤدي دوري… لكني لا أعيش. كل ما كنت أحبه لم يعد يشعلني.”.
وعندما سألها صديقها متى بدأت تشعر بذلك، أجابت: “كأنني نمت واستيقظت فجأة ولم أجدني.” ،هذه الجملة وحدها تختصر تجربة يعاني منها كثيرون، دون أن يملكوا شجاعة الاعتراف بها.
بحسب الأطباء النفسيين، الانطفاء لا يُرى بالعين، لكنه يُشعر به القلب. هو لحظة يدرك فيها الإنسان أن ضوءه لم يختفِ تمامًا، بل خفت فقط، وينتظر أن يُمد له يد العون. وهنا تكمن أهمية الوعي بالصحة النفسية، لأن الاعتراف بالتعب لا يعني الفشل، بل بداية التعافي.
بين التعب والإيمان بالقدرة على النهوض
توضح الأخصائية النفسية د. سارة محمود أن الانطفاء النفسي ليس مرضًا بحد ذاته، بل “مرحلة انتقالية” ناتجة عن تراكم الضغوط والتوقعات العالية من الذات. وتضيف: “النفس لا تُهزم حين تتعب، بل حين تتوقف عن الإيمان بأنها قادرة على النهوض من جديد.”
وترى أن مواجهة هذه الحالة تبدأ بخطوة بسيطة: التوقف مؤقتًا، لا انسحابًا. إغلاق الهاتف، والعودة إلى الذات بالسؤال: “متى بدأت أشعر أنني لست أنا؟ وما الذي سحب مني طاقتي؟” ، هذه الأسئلة، كما تقول، هي مفاتيح لاستعادة النور الداخلي.
العودة إلى الداخل
الانطفاء، إذًا، ليس نهاية الطريق، بل بوابة لبدايته الحقيقية. فحين يختفي الشغف، يبدأ الإنسان في البحث عن المعنى مجددًا، ويعيد ترتيب أولوياته بطريقة أكثر نضجًا وصدقًا.
في الختام : “الله لا يراك حين تُشرق فقط، بل يراك أيضًا حين تنطفئ، ويمد يده إليك خطوة بخطوة، حتى يعيد لك نورك.”.
إنها دعوة للتصالح مع الذات، وتذكير بأن النور لا يُستعاد دفعة واحدة، بل من خلال خطوة صدق صغيرة مع النفس. خطوة قد تكون كافية لإعادة إشعال القلب من جديد.



