ملف “الكحل العربي” في اليونسكو… غياب مصر يضع علامة استفهام

كتبت: نانيس عفيفي– نوفمبر ٢٠٢٥
تستعد منظمة اليونسكو لمراجعة ملف مشترك تقدمت به عدة دول عربية لإدراج «الكحل العربي» ضمن قائمة التراث غير المادي. الملف يستند إلى استمرار عادة الكحل في المجتمعات العربية، وطبيعة الموروث المرتبط بها حتى اليوم.
لكن بمجرد تداول الخبر، ظهرت تساؤلات واسعة بعد ملاحظة غياب مصر عن الملف، رغم أن الأدلة الأثرية والتاريخية المتوافرة تشير بوضوح إلى أن الكحل من العناصر التي نشأت في مصر القديمة قبل أن تنتقل إلى المنطقة.
الأدلة لا تحتمل التأويل: مصر هي نقطة البداية
المتاحف المصرية والعالمية تحتفظ بقطع لا يمكن تجاهلها:
مكاحل حجرية منسوبة لعصور ما قبل الأسرات، أوعية كحل في مقابر ملكية، أدوات طحن دقيقة، ونقوش تظهر رجالًا ونساءً وأطفالًا وهم يستخدمون الكحل في الحياة اليومية.
برديات طبية مثل “إيبرس” تذكر وصفات للعين تعتمد على أصباغ داكنة، ودراسات حديثة — كان أبرزها بحثًا منشورًا في Nature — أثبتت أن المصريين طوّروا تركيبة معدنية متقنة للكحل، تحمل خصائص واقية للعين إلى جانب دورها التجميلي.
بمعنى واضح: الكحل لم يكن مجرد زينة فرعونية… بل علم ومعرفة وأداة وظيفية امتلكتها مصر قبل آلاف السنين.

هل تخالف اليونسكو التاريخ؟
وفق إرشادات اليونسكو، التسجيل في قوائم التراث غير المادي يعتمد أساسًا على “الممارسة الحيّة” التي ما زالت موجودة في المجتمع. ولذلك تقبل الملفات المشتركة التي تجمع أكثر من دولة تمارس العنصر اليوم.
لكن هذه القواعد لا تلغي البعد التاريخي، ولا تمنع أي دولة — بما فيها مصر — من الانضمام إلى ملف قائم، أو تقديم ملف موازٍ يعرض أصل العنصر وجذوره.
وبالتالي، فإن غياب مصر عن الملف لا يعني قرارًا من اليونسكو، بل يعكس أن الملف قُدّم من دون مشاركة مصر.
لماذا الأمر مهم ؟
لأن تسجيل عنصر تراثي على المستوى الدولي لا يقتصر على الاعتراف بالممارسة، بل يشكّل جزءًا من سردية ثقافية تمتد لعقود.
وعندما يتعلق الأمر بعنصر موثق في مصر منذ خمسة آلاف سنة، فإن تغييب البعد المصري يفتح بابًا واسعًا لإعادة صياغة التاريخ بطريقة لا تعكس الحقيقة العلمية أو الأثرية.
الملف العربي يعبر عن ممارسة حاضرة اليوم، لكن الهوية الأصلية للكحل تعود إلى مصر القديمة، وهذا ما تؤكده الشواهد العلمية والقطع الأثرية.
ومع استعداد اليونسكو لدراسة الملف، يبقى السؤال مطروحًا بوضوح:
كيف يمكن لعنصر بدأ من مصر، وتوثّق فيها أكثر من أي مكان آخر، أن يُسجَّل دون وجودها ضمن الدول المقدمة؟




