العطاء الذي لا يراه الناس

بقلم – شريف غالب
جلستُ أفكّر كثيراً في عنوان المقال “العطاء الخفي”، ومن يستحق أن يحصل على هذا اللقب، فوجدت أن مصر ممتلئة بمئات الأمثلة التي لا يمكن حصرها في هذا المقال. لكنني اخترت شخصيتين كان لهما نصيب كبير من الذكرى الطيبة في هذا الزمن الذي أصبح من النادر أن تجد مثلهما مرة أخرى.
“طبيب الغلابة” وهو الدكتور محمد عبد الغفار مشالي، حيث وُلِد عام 1944 في محافظة البحيرة لأسرة فقيرة، لكنه استطاع تحقيق حلمه والالتحاق بكلية الطب. وهناك قصة حقيقية في حياة الدكتور مشالي هي التي جعلته يُلقَّب بـ”طبيب الغلابة”، إذ رواها في إحدى المقابلات حين تمّ تعيينه في إحدى الوحدات الصحية بمنطقة فقيرة.
فقد ذهب لعلاج طفل صغير مريض بالسكري، كان يبكي من شدّة الألم ويطلب من والدته حقنة الإنسولين. فردّت الأم قائلة إنها لو اشترت حقنة الإنسولين فلن تستطيع شراء الطعام لبقية أبنائها. بعدها صعد الطفل إلى سطح المنزل وأضرم النار في نفسه. حاول الطبيب الراحل إنقاذه فلم يتمكن، وقال الطفل آخر كلماته موجهاً حديثه لأمه: “فعلت ذلك من أجل توفير ثمن الإنسولين لإخوتي.”
ومنذ تلك الواقعة قرر الدكتور مشالي أن يهب نفسه لخدمة الفقراء وعلاجهم، مضيفاً أنه من أسرة فقيرة، وهذا ما جعله يشعر بمعاناة المحتاجين. وذكر أيضاً أن الفقراء كانوا يُصابون بأمراض مرتبطة بالفقر وبعملهم في الزراعة، مثل البلهارسيا والإنكلستوما والأميبا، وكانوا لا يملكون ثمن الكشف عند الأطباء، فتطوّع لعلاجهم من هذه الأمراض. كما تخصص في أمراض الأطفال بعد واقعة الطفل الصغير، ناصحاً الأطباء الشباب بخدمة الفقراء وعلاجهم. وكانت هذه آخر وصاياه قبل أن يرحل عن عالمنا عام 2020 عن عمر يناهز 76 عاماً، قضى منها 40 عاماً في خدمة الفقراء.
أما “ملياردير الغلابة” الحاج محمود العربي، مؤسس مجموعة “توشيبا العربي” المعروفة في الأسواق المصرية، فهو رجل أعمال ناجح عصامي بدأ من الصفر وبنى إمبراطورية في مجال صناعة الأجهزة الكهربائية في مصر. لكن للحاج محمود العربي جانباً إنسانياً بعيداً عن كونه رجل أعمال ناجح، حيث تجلّى في كرمه الشديد وعطائه اللامحدود، إذ كان يؤمن بأن نفع الناس هو أساس النجاح الحقيقي.
فقد بنى المساجد والمعاهد، ودعم الفقراء والمحتاجين، خصوصاً الفتيات اليتيمات، ووفّر فرص عمل لأبناء قريته، مقدّماً نموذجاً لرجل الأعمال الوطني الذي يجمع بين النجاح التجاري والمسؤولية المجتمعية عبر إرث من الأعمال الخيرية. كما يتذكر أهالي قريته والعمّال والمواطنون مواقفه الإنسانية ودعمه المستمر لهم.
ولم يكن هدفه الثروة فقط، بل أن يكون سبباً في رزق الناس. وكان دائماً ما يردد أن الأثر الباقي هو ما ينفع الناس. فقد أنشأ مراكز لتحفيظ القرآن، وكرّم الطلاب المتفوقين، ودعم التعليم في قريته أشمون، وقدّم تبرعات ضخمة للمرضى والمحتاجين، وساند الأسر الفقيرة، ودعم عمّاله في الظروف الصعبة، ووفّر فرص عمل كثيرة لأهالي قريته، مما رفع مستوى المعيشة لديهم.
ورحل “ملياردير الغلابة” الحاج محمود العربي عن عالمنا عام 2021 عن عمر يناهز 86 عاماً، تاركاً إرثاً إنسانياً وخيرياً لأبنائه ليستكملوه من بعده تخليداً لذكراه.



