السلام والمفاوضات وقصة نقض العهود

السلام ومفاوضات البقرة

كتب حمدى الكاتب
نحن داخل الشرق الأوسط، وتحديدًا في ملفات الصراع العربي الإسرائيلي، لا نحتاج إلى خريطة جغرافية لفهم التفاصيل، بل يكفينا فتح سورة البقرة، والبدء من قصة البقرة نفسها، لندرك أن هذا الفكر الصهيوني، منذ القدم، لديه موهبة فريدة في تحويل أبسط اتفاق إلى أعقد مفاوضات!
فقد سألهم نبيهم أن يذبحوا بقرة فقط… فكانت الإجابة بداية لأعقد المفاوضات:
– ما هي؟
– ما لونها؟
– ما شكلها؟
– هل تعمل؟
– وهل هي “فريلانسر” أم على عقد دائم؟
– طب ممكن “بروفايل LinkedIn” للبقرة؟
وهكذا، حتى ذبحوها… وما كادوا يفعلون.
ما زالت البقرة تُذبح
واليوم، بعد آلاف السنين، ما زالت البقرة تُذبح، لكن هذه المرة ليست بقرة صفراء تسر الناظرين، بل هي كل اتفاق أو هدنة أو معاهدة سلام… تسر الإعلام لحظتها، وتذبح الحقيقة بعدها.
يدخل الوسطاء، تُرفع الرايات البيضاء، تُوزع بيانات التهدئة ويعلن
“اتفاق وقف إطلاق النار يبدأ الساعة 6 صباحًا”
فتستيقظ الطائرات الإسرائيلية الساعة 5:59، لتغني الحلوة دي قامت تعجن في البدريه والديك بيدن كو كو كو كو بالفجريه.
التحية بصاروخ
اسف قصدي تلقي التحية بصاروخ، ثم تعتذر عنه لاحقًا بخطأ غير مقصود، وتشير إلى أن البقرة التي اتفقنا على ذبحها، لم تكن واضحًا هل كانت صفراء أم تميل إلى اللون البحلقي!
ثم يبدأ فصل التفسير:
– لم نوقع رسميًا.
– كان يجب توضيح جدول الذبح الزمني.
– لم نفهم أن التهدئة تشمل أيام العطل.
– والبقرة المذكورة… هل كانت تتكلم العبرية أم الآرامية أم عربي مكسر؟
ولأننا في عالم تحكمه “السوابق التاريخية”، فمن الطبيعي أن نُذكّر الأحبة في طاولة المفاوضات أنكم تتفاوضون مع من راوغ نبيّه بشأن بقرة
والان بعد مرور مئات السنين في كل مرة تُعرض عليها هدنة أو اتفاق لوقف إطلاق النار، تبدأ في تمثيل قصة البقرة، ولكن بإنتاجٍ حديث، وموازنة مفتوحة، ومخرج مثلي.
– نعم، نوافق، ولكن بعد نزع سلاح حماس!”
– نتفهم، لكن نريد ضمانات من مصر، وقطر، وأحيانًا من شاي ليبتون نفسه.
– نوافق، ولكن نريد أولًا: صور الأقمار الصناعية، والمجسات الأرضية، وسجلات قائمة طعام سحور رمضان.
– مَن قال أن الشخص الذي من طرفنا مفوَّض أصلًا؟ فلننتظر تحقيقًا!
– لماذا لا تتعهد غزة بعدم تعليم التاريخ في المدارس؟ هذا تحريض ضد السامية جمال وتحية كاريوكا.
ثم يأتي البيان النهائي: إسرائيل ملتزمة بالسلام، لكن الطرف الآخر لا يريد سوى الحرب.
نماذج حية من “ذبح البقرة”
– اتفاق أوسلو: حُوِّل إلى كتالوج للبناء الاستيطاني، مع حفلات توقيع أنيقة وصمت دولي مذهل.
– هدنة 2014: كُسرت بعد ساعات، مع تصريح رسمي أن “صاروخًا فلسطينيًا سقط بالقرب من قهوة عبرية فاخرة.”
– تفاهمات 2021: “إسرائيل ملتزمة” حتى قررت طائرة مسيّرة أن “تتنزه” فوق حي سكني بغزة.
– حتى الان في اتفاقات غزة، حيث كل وقف إطلاق نار، ينتهي بإطلاق نار… لكن من طرف واحد.
المسرحية تتكرر
الآن، لماذا هذه المسرحية تتكرر؟ لأننا ببساطة نتفاوض مع من لم يذبح البقرة إلا بعد أن قالوا”الآن جئت بالحق!” وكأنهم كانوا يظنون أن الأمر كله مزحة سماوية.
ختاما يا سادة، حين تفاوضون من سأل عن لون البقرة… لا تتفاجؤوا إن طلب توقيع الهدنة بالدم… ثم طلب ما هو نوع فصيلة الدم.
أما اتفاق السلام الان فلا أقول أكثر مما قالوا الفنان الكبير سمير غانم في مسرحية أخويا هايص وأنا لايص «يا رب المرة دي…»



