مصر مباشر - الأخبار

قنابل الغاز تخنق المغير: اقتحام جديد يعمّق معاناة الفلسطينيين شمال شرقي رام الله

كتب: إبراهيم رمضان الهمامـي ـ 20 اكتوبر 2025

في فجرٍ ملبّد بالدخان ورائحة الغاز، استيقظت قرية المغير شمال شرقي رام الله على اقتحام عنيف نفذته قوات الاحتلال الإسرائيلي، ترافق مع إطلاق كثيف لقنابل الغاز المسيل للدموع تجاه منازل المدنيين الفلسطينيين، في مشهد مأساوي يعيد إلى الأذهان سلسلة طويلة من الاعتداءات اليومية التي باتت جزءًا من حياة الفلسطينيين تحت الاحتلال. أصوات الانفجارات دوّت بين الأزقة، وصرخات الأطفال اختلطت بسعال النساء والشيوخ، فيما غطّت سحب الغاز الأبيض سماء القرية الصغيرة التي لم تعرف الهدوء منذ سنوات.

شهود عيان أكدوا أن قوات الاحتلال اقتحمت القرية من عدة محاور، خاصة من الجهة الشرقية، وسط حالة من الهلع والخوف، حيث لم يسلم أحد من آثار الغاز. عشرات المواطنين أصيبوا بحالات اختناق شديدة، ونُقل بعضهم للعلاج الميداني بعد أن حاصرت القوات الإسرائيلية مداخل القرية ومنعت سيارات الإسعاف من الوصول بسهولة إلى المصابين. أهالي المغير وصفوا المشهد بأنه “عدوان متعمد ضد السكان”، مؤكدين أن إطلاق الغاز لم يكن أثناء اشتباك أو مواجهة، بل استهدف المنازل مباشرة، وكأن الهدف هو إيذاء المدنيين وبث الرعب في نفوسهم.

قرية المغير ليست غريبة على هذه الاعتداءات، فهي من القرى الفلسطينية التي تقف في وجه التوسع الاستيطاني في المنطقة الشمالية من رام الله، وتشهد منذ سنوات مواجهات متكررة مع قوات الاحتلال والمستوطنين الذين يسعون إلى السيطرة على أراضيها الزراعية الخصبة. ورغم كل ذلك، لا يزال أهلها يتمسكون بأرضهم ويزرعونها كل موسم كأنهم يزرعون الأمل في وجه القهر والعدوان.

فكل شجرة زيتون في المغير تروي قصة مقاومة، وكل بيت ما زال صامدًا رغم القصف والاقتحامات يثبت أن الكرامة لا تُشترى ولا تُقهر.

هذا التصعيد الجديد يأتي ضمن حملة إسرائيلية واسعة ضد قرى وبلدات الضفة الغربية، في وقت تشهد فيه المنطقة حالة من التوتر السياسي والأمني المتصاعد. فبين الاعتقالات اليومية، وهدم المنازل، والاقتحامات الليلية، يعيش الفلسطينيون واقعًا خانقًا لا يرحم، وسط صمت دولي مريب وتخاذل عربي واضح، حيث تكتفي المنظمات الحقوقية بتصريحات إدانة لا تتجاوز الورق، فيما يواصل الاحتلال سياساته العقابية بلا رادع ولا مساءلة.

وفي ظل هذا الواقع القاتم، تتكشف ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي بصورة فاضحة؛ إذ تُدان أي دولة تُمارس حقها في الدفاع عن أرضها، بينما يُترك الشعب الفلسطيني فريسة للغاز والرصاص والمستوطنات دون أن يُحاسب أحد. إنّ هذه الازدواجية ليست مجرد موقف سياسي، بل هي انحياز أخلاقي وإنساني فاضح يُكرّس الظلم ويُشرعن الاحتلال.

لكنّ المغير – كما غزة ونابلس وجنين والخليل – تعرف أن الصمود هو الرد الأبلغ. فأبناء القرية الذين عاشوا على هذه الأرض جيلاً بعد جيل، يدركون أن كل اقتحام هو معركة إرادة، وأن الغاز الذي يخنق صدورهم اليوم لن يخنق حلمهم بالحرية غدًا. في كل بيت من بيوت المغير حكاية مقاومة، وفي كل طفل يتنفس بصعوبة بعد الغارة، يولد وعي جديد بأنّ الاحتلال زائل مهما طال الزمن.

ورغم القنابل والدخان، يبقى صوت الحياة في المغير أعلى من كل ضجيج الحرب. فبعد كل اقتحام، يخرج الأهالي لإزالة آثار الدمار، لتنظيف الشوارع، ولإعادة ترتيب حياتهم البسيطة التي يحاول الاحتلال تفكيكها بكل الوسائل. ومع كل شروق شمس جديدة، يؤكد الفلسطينيون في المغير أن البقاء في الأرض هو فعل مقاومة، وأن الصمود ليس خيارًا بل واجبًا وكرامة.

إن ما حدث اليوم في المغير ليس حادثًا عابرًا، بل صورة مصغّرة عن واقع الاحتلال الذي يفرض نفسه بالقوة على شعب أعزل لا يملك إلا الإيمان والحق والعزيمة. فالغاز لن يُسكت صوت المظلوم، ولن يطفئ نار الغضب المتقدة في صدور الفلسطينيين الذين يطالبون بأبسط حقوقهم: الحرية والعدالة والعيش بكرامة على أرضهم.

وفي نهاية المشهد، وبين صرخات الأمهات وأنين المصابين، يعلو نداء واحد من المغير إلى العالم أجمع: “كفى صمتًا.. كفى تجاهلًا.. كفى غازًا وقتلاً واحتلالًا.”

فالقضية الفلسطينية ليست صراعًا على الأرض فقط، بل صراع على الإنسانية ذاتها، وعلى الضمير العالمي الذي يبدو أنه اختنق هو الآخر تحت دخان قنابل الغاز الإسرائيلية.

محمد ابراهيم

تحيا_مــ𓁳_𓆃ـصــ𓅮ـر _𝕰𝖌𝖞𝖕𝖙𓁳𓄿𓅓

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى