حين صغرت أمريكا وكبرت حماس.. انقلاب الموازين في زمن المقاومة
بقلم / بهاء النجريدي .. أستاذ بحوث القانون والاعلام
من كان يتخيل أن تصل اللحظة التي تهتز فيها هيبة الولايات المتحدة الأمريكية أمام فصيل مقاوم محاصر في غزة؟
ذلك الفصيل الذي وُلد من رحم الحصار والحرمان، ووجد نفسه فجأة في مواجهة أكبر آلة عسكرية مدعومة من أقوى دولة في العالم ،، ومع ذلك، لم ينكسر ،، بل جعل العالم كله يعيد النظر في مفاهيم القوة والنفوذ، والسياسة والمقاومة، والحق والهيمنة.
لقد صار السؤال اليوم مشروعًا : هل أمريكا صغرت لتبدو بحجم حماس؟
أم أن حماس كبرت لتصبح بحجم أمريكا؟
أولًا: أمريكا.. القوة التي فقدت معناها :
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت أمريكا تقدم نفسها بوصفها “قائدة العالم الحر” و”راعية القيم الديمقراطية”.
لكنّ مشاهد الدم في غزة، والمجازر اليومية التي تُرتكب تحت أعينها وبرعايتها، كشفت الوجه الحقيقي للقوة التي تتحدث كثيرًا عن العدالة وهي تمارس الظلم بأشكاله كافة.
لم تعد أمريكا تخيف أحدًا كما كانت، ولم تعد قادرة على فرض كلمتها كما كانت تفعل في القرن العشرين.
لقد تآكل نفوذها السياسي والأخلاقي، ليس فقط بسبب انحيازها الأعمى لإسرائيل، بل أيضًا بسبب عجزها عن تقديم رؤية متوازنة للعالم، وفشلها في الحفاظ على صورتها كقوة “قائدة للنظام الدولي”.
إن المشهد الأمريكي في حرب غزة لم يكن مشهد “دولة عظمى”، بل مشهد دولة مرتبكة، تلهث خلف قرارات حكومة يمينية متطرفة في تل أبيب، وتبرر جرائمها بمفرداتٍ واهية فقدت صدقيتها حتى لدى حلفائها الأوروبيين.
الولايات المتحدة التي كانت تتفاخر بقدرتها على إنهاء الحروب، أصبحت اليوم شريكة في إطالتها.
وأمريكا التي كانت “تحكم العالم من البيت الأبيض”، باتت اليوم تحكمها “عقيدة إسرائيلية” تقودها من الكواليس.
إنها لم تصغر عسكريًا، لكنها تقلّصت أخلاقيًا وسياسيًا حتى بدت بحجم الموقف الذي تتبناه: موقف القوة ضد العدالة، والهيمنة ضد الحق.
ثانيًا: حماس.. من تنظيم محاصر إلى لاعب دولي مؤثر :
على الجانب الآخر، كبرت حماس حتى تجاوزت حدودها الجغرافية.
نشأت في المخيمات، وناضلت في الأنفاق، ووقفت وحدها في وجه حصارٍ عالمي، لكنها استطاعت أن تُرغم العالم على الإنصات لصوتها ،،، لم تعد “حماس” مجرد حركة مقاومة فلسطينية؛ إنها اليوم رمز عالمي للكرامة والمقاومة، وصوت الشعوب المقهورة في وجه قوى الاستكبار.
لقد نجحت حماس في تحويل “الحصار” إلى “منبر”، و”الضعف” إلى “قوة”، و”المأساة” إلى “ملحمة”.
ففي الوقت الذي انهارت فيه جيوش وأنظمة أمام الضغط الأمريكي، ظلت حماس صامدة، تُعيد تعريف مفهوم الردع، وتكسر نظرية التفوق الإسرائيلي المطلق تدير حماس معركتها بذكاءٍ سياسي لا يقل عن صمودها العسكري ،،، تعرف متى تُفاوض ومتى تُقاتل، ومتى تُعلن ومتى تُخفي، ومتى تُرسل الرسائل ومتى تُربك العدو بالصمت ،، وفي كل مرة تُفتح فيها ملفات المفاوضات، تجد حماس مكانها في قلب النقاش، لا على هامشه.
لقد أصبحت حماس لاعبًا دوليًا يُحسب له حساب في معادلات المنطقة، شاء العالم أم أبى ،، وباتت واشنطن نفسها تدرك أن أي حلّ في غزة لا يمكن أن يمر دون موافقة حماس أو على الأقل دون مراعاة موقفها.
ثالثًا: التحول في مفهوم القوة :
لقد كسرت المقاومة الفلسطينية، بقيادة حماس، المعادلة القديمة التي كانت تُقاس فيها القوة بالأسلحة النووية وعدد الطائرات.
القوة اليوم تُقاس بالقدرة على الصمود، على البقاء، على مقاومة الانكسار النفسي والمعنوي، وعلى امتلاك مشروعٍ عادلٍ تُقاتل من أجله.
– أمريكا تملك كل شيء: السلاح، المال، الإعلام، والنفوذ الدولي ،، لكنها تفتقد الشيء الوحيد الذي يمنح القوة معناها: الحق.
– وحماس لا تملك سوى الإيمان، لكنها تمتلك بذلك ما لا يمكن شراؤه أو قصفه أو محاصرته.
-إن موازين القوى اليوم لا تُقاس بالعتاد، بل بالضمير.
ولهذا، لم يكن غريبًا أن تتغير لغة العالم: من التنديد بالمقاومة إلى التعاطف معها، ومن تبرير العدوان إلى فضحه، ومن الصمت إلى الغضب.
لقد قلبت حماس ميزان الرواية، وأعادت تعريف من هو الضحية ومن هو الجلاد.
رابعًا: المشهد الدولي الجديد … العالم يتغيّر:
لم تعد واشنطن وحدها مركز القرار ،، الصين وروسيا تراقبان، والعالم العربي يعيد ترتيب أوراقه، وأوروبا تبحث عن دورٍ مفقود في هذا المشهد المضطرب، تتقدم “غزة” — الصغيرة المحاصرة — لتصبح ساحة اختبار للضمير الإنساني كله.
قضية فلسطين لم تعد مسألة حدود، بل مسألة هويةٍ عالمية:
والانقسام بين من يدعم المقاومة ومن يدعم الاحتلال لم يعد سياسيًا فحسب، بل أخلاقيًا وإنسانيًا ، ، وفي قلب هذا التحول، برزت حماس كرمزٍ للصمود، بينما تراجعت أمريكا لتبدو عاجزة عن قيادة العالم، بعد أن خسرت معركة القيم.
من يملك الموقف يملك القوة … لم تصغر أمريكا لأنها فقدت قدراتها، بل لأنها فقدت بوصلتها الأخلاقية ،،، ولم تكبر حماس لأنها تملك السلاح، بل لأنها تملك المبدأ والإيمان والوعي بالحق ..
لقد أثبتت التجربة أن القوة لا تُقاس بالحجم الجغرافي ولا بالعتاد العسكري، بل بالموقف والهدف والإرادة ،في زمن الضعف العربي والارتباك الدولي، وقفت غزة وحدها لتقول للعالم..
== إن الإرادة قادرة على أن تهزم الإمبراطورية، وإن الموقف الصادق يمكن أن يهزّ عروش القوة الزائفة ، صغرت أمريكا لأنها انحازت إلى الباطل، وكبرت حماس حين صغرت أمريكا .. لأنها وقفت مع الحق ،وبينهما، وُلد زمن جديد، عنوانه : أن من يمتلك الموقف، يمتلك العالم.



