حكاياتمصر مباشر - الأخبار

سلمان رشدي يعود إلى الواجهة بعد تكريمه بجائزة دايتون للسلام الأدبي

من رواية أثارت الغضب إلى جائزة تحمل شعار السلام.. مسيرة سلمان رشدي

كتبت: نانيس عفيفي – ١٠ نوفمبر ٢٠٢٥

بعد أكثر من ثلاثة عقود على رواية أثارت غضب العالم الإسلامي، عاد اسم كاتبها، سلمان رشدي، إلى الواجهة من جديد.

الكاتب البريطاني ذو الأصول الهندية، الذي عاش مطاردًا منذ نهاية الثمانينيات، تسلّم جائزة تحمل اسم “السلام” في مدينة دايتون الأميركية.

وقال في كلمته خلال الحفل:

“الكتاب لا يمكنه أن يوقف رصاصة، والقصيدة لا تستطيع اعتراض قنبلة، لكن يمكن للأدب أن يضخّم أصوات من يعانون، ويُرينا واقع الآخر من وجهة نظر مختلفة.”

من هو سلمان رشدي؟

وُلد سلمان رشدي عام ١٩٤٧ في مومباي لعائلة مسلمة من الطبقة المتوسطة، وتلقى تعليمه في مدارس هندية راقية قبل أن ينتقل إلى بريطانيا للدراسة في جامعة كامبريدج. هناك بدأ انجذابه إلى الفكر الغربي العلماني، فابتعد تدريجيًا عن الدين، ووجد في الأدب وسيلة للبحث عن معنى الحرية والهوية.

في السبعينيات نشر أولى رواياته، لكن شهرته الكبرى جاءت مع «أطفال منتصف الليل» (١٩٨١)، التي قدّم فيها الهند كأمة تتشكل من التناقضات، ونال عنها جائزة بوكر البريطانية.

رواية آيات شيطانية وفتوى الخميني

عام ١٩٨٨ نشر روايته «آيات شيطانية»، التي ضمّت مقاطع اعتُبرت مسيئة للنبي محمد ﷺ وللقرآن الكريم.

تحوّل الجدل الأدبي إلى أزمة دينية عالمية، خرجت فيها مظاهرات غاضبة في دول إسلامية عديدة.

وفي فبراير ١٩٨٩، أصدر الإمام الخميني، المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، فتوى بإهدار دمه ودعا المسلمين إلى تنفيذ الحكم، معتبرًا الرواية تجديفًا صريحًا ضد الإسلام.

منذ ذلك اليوم عاش رشدي تحت حراسة مشددة في بريطانيا، متنقلًا بهويات مستعارة لسنوات طويلة، فيما دفع المقربون منه ثمن الجدل الذي أثاره؛ فقد قُتل المترجم الياباني هيتوشي إيغاراشي داخل مكتبه في جامعة تسوكوبا عام ١٩٩١، بينما نجا مترجمه الإيطالي من طعنات متكررة، وأُصيب ناشره النرويجي في اعتداء مسلح أمام منزله.

محاولة اغتيال سلمان رشدي

في أغسطس ٢٠٢٢، وأثناء إلقائه محاضرة في معهد شوتوكوا بولاية نيويورك، تعرّض لهجومٍ من شاب أميركي من أصل لبناني يُدعى هادي مطر.

سقط رشدي مضرجًا بدمائه بعد أن تلقى أكثر من عشر طعنات، أصيب على إثرها بقطع أعصاب في ذراعه وتلف في الكبد وفقد بصره في عينه اليمنى.

لكنه نجا. وبعد عامين فقط، كتب عن تلك التجربة في مذكراته «سكين» (Knife)، ثم عاد إلى الخيال في روايته «الساعة الحادية عشرة» (The Eleventh Hour) ليكتب عن الذاكرة والنجاة، كمن يختبر قدرته على تحويل الألم إلى نصٍّ جديد.

جائزة دايتون للسلام الأدبي

في الأوساط الثقافية الغربية، قوبل تكريم رشدي باحتفاءٍ واسع، واعتُبر خطوةً رمزيةً للدفاع عن حرية التعبير في وجه الترهيب.

ورأى عددٌ من الكتّاب والنقّاد أن الجائزة لا تكافئ شخصًا بقدر ما تكرّم الفكرة التي يمثلها: أن الكاتب، مهما واجه الخطر، لا يتراجع عن الكلمة.

لكن، بينما يُنظر إلى رشدي في الغرب ككاتبٍ صمد في وجه العنف دفاعًا عن حرية التعبير، لا يزال اسمه في العالم الإسلامي محمّلًا بإرث تلك الأزمة التي لم تُحل.

وفي المسافة بين هذين التصورين، يطل سؤالٌ جوهري:

هل يمكن للكلمة أن تُستخدم باسم الحرية لتبرير الإساءة إلى المقدّسات؟

وهل يتسع معنى “السلام” ليشمل من أثار الغضب باسم الأدب؟

جائزة دايتون للسلام الأدبي تأسست عام ٢٠٠٦ في مدينة دايتون الأميركية، التي وُقّعت فيها اتفاقية أنهت حرب البلقان عام ١٩٩٥.

تهدف إلى تكريم الأدب الذي يعزز التفاهم الإنساني، وتُمنح سنويًا في ثلاث فئات: الأدب الخيالي، الأدب الواقعي، وجائزة الإنجاز مدى الحياة التي تحمل اسم الدبلوماسي الأميركي ريتشارد هولبروك.

ومن أبرز الحاصلين عليها جيمي كارتر، مارغريت أتوود، إيلي فيزيل، وجون إيرفينغ.

هل يمكن للكلمة أن تصنع سلامًا؟

في النهاية، لا يتعلق الأمر بسلمان رشدي وحده، بل بالطريقة التي نرى بها نحن والعالم حدود الكلمة.

فكل تكريم أو إدانة لا يُقاس بشخصه، بل بما يعكسه من صراع مستمر بين حرية التعبير واحترام المعتقدات الدينية، صراع لم يُحسم بعد، وربما لن يُحسم أبدًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com