صندوق الأفكار | اعترافات كوشنر.. حين يتحدث الصمت الأمريكي

كتب: إبراهيم الهمامــي ـ الجمعة 24 اكتوبر 2025
في لحظةٍ نادرة من الصدق، وربما من اللاوعي السياسي، خرج جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، وأحد أبرز مهندسي ما سُمّي بـ«صفقة القرن»، ليعترف في مقابلة مع شبكة «سي بي إس نيوز» بأنّ ما شاهده في قطاع غزة كان مشهدًا يفوق الخيال، وكأن قنبلة نووية انفجرت هناك.
تصريحٌ كهذا لا يمكن المرور عليه مرور الكرام، لأنه صادر من رجلٍ يُعرف عنه دفاعه المستميت عن إسرائيل، وارتباطه العقائدي بالمشروع الصهيوني. ومع ذلك، لم يستطع كوشنر أن يُخفي صدمته من حجم الدمار، فخانته الكلمات لتكشف ما حاولت آلة الدعاية الإسرائيلية إخفاءه لسنوات.
ما قاله كوشنر ليس مجرد وصفٍ عابرٍ لمأساة إنسانية، بل اعترافٌ من قلب المنظومة الداعمة لإسرائيل، يُثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن ما ارتُكب في غزة يفوق كل المعايير الإنسانية والعسكرية المقبولة. فغزة لم تُقصف في يومٍ واحد، بل سُحقت على مدار عامين من العدوان المتواصل، في عملية إبادةٍ بطيئة لم تبقِ حجرًا على حجر، ولا روحًا بلا جرح.
لقد عرف التاريخ مآسي مروّعة مثل هيروشيما وناجازاكي، حيث أودت القنابل النووية بحياة أكثر من 220 ألف إنسان، لكن إسرائيل استخدمت ما هو أشد فتكًا من السلاح النووي: استخدمت الحقد والكراهية الممنهجة، واستعانت بأحدث أسلحة التدمير الدقيقة لتزرع الموت في كل شارعٍ وزاوية من غزة. وتشير التقديرات الأولية إلى مقتل وإصابة أكثر من 300 ألف مواطن، أغلبهم من النساء والأطفال، في مشهدٍ يختصر معنى «الإرهاب المنظم».
إنّ ما حدث في غزة لا يمكن وصفه إلا بأنه نموذج صارخ للإبادة الجماعية، تُمارس بغطاءٍ سياسي وإعلامي دولي، وسط صمتٍ يُشبه التواطؤ. فحين تُسحق مدينةٌ كاملة أمام عيون العالم، ولا يتحرك مجلس الأمن إلا بعباراتٍ باهتة عن «ضبط النفس» و«القلق العميق»، فإن ذلك ليس عجزًا بل مشاركة غير مباشرة في الجريمة.
تُقدّر الأمم المتحدة أن عملية إعادة إعمار غزة تحتاج إلى ما لا يقل عن سبعين مليار دولار لإعادة ترميم ما دمّرته الحرب، وهو مبلغ لا ينبغي أن تتحمله الشعوب ولا المانحون، بل إسرائيل نفسها باعتبارها المسؤولة المباشرة عن هذا الدمار. فالقانون الدولي واضح: من يدمّر، عليه أن يُعيد، ومن يقتل، عليه أن يُحاسب.
لكن المأساة الحقيقية لا تكمن في الدمار وحده، بل في ما بعد الحرب. فهل سيسمح المجتمع الدولي لإسرائيل بأن تخرج من هذه الجريمة بلا عقاب كما جرت العادة؟ أم أنّ هناك صحوةً حقيقية بدأت تتشكل بعد أن انكشفت للعالم صورة «النازية الجديدة» التي تمارسها تل أبيب ضد الفلسطينيين؟
الكرة الآن في ملعب الإدارة الأمريكية والمجتمع الدولي، فإما أن يستمر الموقف المتحرك نحو الوعي والمحاسبة، أو أن تتراجع هذه الصحوة تحت ضغط المصالح والصفقات. لأن التراجع يعني ببساطة أن العالم قد اختار العمى الأخلاقي، وأن التاريخ سيكتب مرة أخرى أن الحضارة الحديثة وقفت متفرجة على محرقةٍ جديدة تُرتكب أمام عدسات الكاميرات.
إنّ غزة اليوم ليست مجرد قضية فلسطينية، بل اختبارٌ للضمير الإنساني كله، لصدق القوانين الدولية وعدالة المؤسسات الأممية. فإما أن ينتصر فيها الإنسان على الحقد، أو ينتصر الحقد على الإنسانية بأكملها.



