” السعودية واليمن ” شراكة في مواجهة العاصفة

كتبت / دعاء هزاع الجابري
حين يطول الليل فوق وطن مثقل بالوجع ، وتتعثر به السنين على أبواب الانتظار ، لا يعود السؤال : من أخطأ ؟ بل : من بقي؟ ومن اختار أن يقف في جهة الإنسان ، لا في صف الضجيج ، ” فاليمن ” بلد المماليك والارض السعيدة ، وهو ينزف بصمت بعد ان استنزفته السنوات الطوال ، لم يكن بحاجة إلى خطاب آخر بل إلى قلب مفتوح ويد لا ترتجف ، وموقف يعرف أن الأخوة تختبر حين تضيق السبل ، لا حين تتسع
ففي زمن انكسرت فيه الموازين ، وتبعثرت فيه خرائط الاقتصاد على أرض اليمن كما تتناثر أوراق الخريف ، بدا المشهد مثقلا بالخذلان ، مشوبا بتعب السنين ، ومشدودا إلى صراعات لم يخترها الشعب ، ولم يكن يوما طرفا فيها ، ومع ذلك لم تطفأ جذوة الأمل تماما ، فقد ظل في الأفق نور يتسلل بصمت ، قادما من جهة الشمال يحمل في ضيائه معنى الأخوة وصدق الجوار ، وعمق المصير المشترك ، ذلك النور كانت لليد الممتدة من ” المملكة العربية السعودية “، الجارة الشقيقة ورفيقة الدرب الطويل ، التي لم تدر ظهرها لليمن وهو يئن ، ولم تغلق قلبها حين ازدحمت الجراح
فاليمن وهو يرزح تحت وطأة اقتصاد مثخن بالانقسامات ، لم يكن مجرد أرقام تتهاوى ، أو مؤشرات تتراجع ، بل كان وجوها شاحبة ، وأيادي متعبة ، وأحلاما علقت طويلا على حبال الانتظار ، وفي خضم هذا المشهد القاسي اختارت ” المملكة ” أن تكون في مقدمة الواقفين ، لا من موقع الشفقة بل من موقع الشريك الذي يرى في استقرار اليمن امتدادا طبيعيا لأمنه ، وفي نهوضه ركيزة لازدهار المنطقة بأسرها ، فمدت يدها لا لتنتشل لحظة عابرة ، بل لتفتح أفقا وتؤسس لمسار يعيد ترتيب الفوضى ، ويزرع النظام حيث ساد العبث ، فلم تربك المملكة تعقيدات الواقع اليمني ، ولم تثنها كثافة الملفات ، ولا تشابك الأزمات ، ولا تراكم الإرث الثقيل فقد رأت ما هو أبعد من ضجيج السياسة ، رأت الإنسان أولا ورأت أرضا أنهكتها الصراعات ، لكنها لم تفقد قدرتها على العطاء ، ومن هذا المنطلق تحركت بجدية لافتة لتعمل على إعادة هيكلة الواقع أمنيا واقتصاديا ، كمن يزيل الركام حجرا حجرا ليفتح نافذة للضوء في بيت طال عليه الظلام ، في محاولة لأن تنفض غبار العبث عن ” أرض بلقيس ” ، تلك الأرض التي حملت الحضارة يوما ، ولا تزال في أعماقها قادرة على استدعاء المجد ، متى ما وجد من يؤمن بها ، وها هي المملكة اليوم تبادر بدعم يمتد كالنهر ، لا يقف عند ضفة واحدة ، بل يتفرع ليغذي مختلف القطاعات الاقتصادية في اليمن ، بدعم لا يكتفي بتضميد الجراح بل يسعى إلى إعادة الروح ، وإحياء الدورة الطبيعية للحياة ، ليكون اليمني بذلك على أرضه عاملا ، ومنتجا وواثقا أن الغد ليس سرابا ، ان هذا الدعم يعيد للأمل معناه ، ويكسر عزلة السنوات الثقيلة ، ويمنح الناس حقهم في أن يحلموا من جديد ، بعد ليل طال واستنزف الأعمار ، وبما تملكه المملكة من ثقل سياسي وخبرة اقتصادية وتجربة متراكمة في إدارة الأزمات المعقدة ، فإنها تبقى بعد ” الله ” عزو وجل الأقدر على التعامل مع الحالة اليمنية بما تحمله من تشابكات دقيقة ، والعمل على تفكيكها من الجذور ، لا الاكتفاء بملامسة السطح فقط ، فهي لا تتعامل مع اليمن كملف عابر في أدراج السياسة ، بل كقضية حية وكأرض لها مكانتها في الوجدان ، وشعب يستحق أن تصان كرامته ، وأن يمنح فرصة عادلة للحياة دائما
ان الأجمل في هذا الدور والأعمق أثرا ، هو أن المملكة حملت هذه المسؤولية دون منة ، ودون ضجيج ، ودون حسابات ضيقة ، حملتها بإيمان صادق بأن اليمن كان سعيدا يوما ، وأن اسمه لم يكن محض مصادفة ، وأن السعادة قد تغيب لكنها لا تموت ، لذلك اتجهت إلى دعم استثمار ثرواته ، لا لتنهب ، بل لتعاد إلى أهله وليحظى أبناؤه بحياة كريمة تليق بتاريخهم ، وتناسب صبرهم الطويل ، باعتبارهم أهلا وإخوة لا يتركون وحدهم ما دام في الموقف من يرى في الأخوة عهدا لا يسقط بالتقادم
واليوم ، هاهو اليمن يقف حكومة وشعبا أمام هذه المواقف بامتنان لا تصفه الكلمات ، وبالدعاء الذي يخرج من القلب قبل اللسان ، بأن يبارك الله للمملكة وأن يجزيها خير الجزاء ، وأن يديم عليها عزها وأمنها وريادتها ، وأن تبقى رايتها عالية في سماء ” اليمن ” ، شاهدة على أن المواقف العظيمة لا تنسى ، وأن المجد الحقيقي يكتب حين ينقذ الإنسان ، وتصان الأرض ، وتحفظ الأخوة في زمن شحت فيه المواقف .



