الإنسان والذكاء الاصطناعي

بقلم / شيماء حازم قزامل
قبل أن أكون كاتبةً وباحثةً مختصةً في تطبيقات الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى، أنا إنسانة وأمّ تحاول أن تفهم أثر هذه الموجة الجارفة على وعينا، ووعي أبنائنا، وعلى علاقاتنا البشرية،
هذا العمود ليس تقريرًا صحفيًا، بل ورشة تفكيرٍ مفتوحةٍ بيني وبينكم: نحاول أن نفهم تأثير الذكاء الاصطناعي بكل أشكاله وأدواته على إنسانيّتنا، وكيف يمكننا التعايش معه دون أن نفقد ما يجعلنا بشرًا!.
يسعدني أن أسمع صوتكم: تعليقًا، أو نقاشًا، أو فكرةً تُكمل ما أبدأه، فكل مقالٍ هو دعوةٌ للتفكير، ومساحةٌ للحوار، وقصةٌ جديدةٌ نسردها معًا.
ابنتي سارة (13 عامًا) تنتمي إلى جيلٍ نشأ مع الهواتف الذكية والإنترنت سهل الوصول. تربّت، مثل كثيرين من أقرانها، على مشاهداتٍ متلاحقةٍ من الفيديوهات القصيرة (ريلز/تيك توك)، حتى صار ذلك جزءًا من طبيعة يومها ،ولكن ما بدأت ألاحظه هو أنها تجد صعوبةً بالغةً في الاحتفاظ بأي معلومةٍ دراسيةٍ أو آيةٍ قرآنيةٍ على المدى القصير، ناهيكم عن المدى الطويل .
عذّبني الموضوع طويلًا، وبعد فحوصاتٍ طبيةٍ أكدت سلامتها الصحية، اتجهتُ للتساؤل: “هل تعوّدُ عقلِ الطفلِ على التركيز اللحظيّ والمتكرر للمحفزات القصيرة قد يؤثر فعلًا في قدرته على التخزين والذاكرة الطويلة ؟”
إذا كان الطفل يشاهد فيديو قصيرًا تلو الآخر لساعةٍ أو اثنتين أو ربما أكثر يوميًا، فيديوهاتٍ قصيرةً متلاحقةً غير مترابطةٍ ولا تقدّم رسالةً موحّدة، ولا يقدّمها مصدرٌ واحد ففي نهاية اليوم، ما الذي علق في ذاكرة هذا الطفل؟ لا شيء!.
أظن أن العقل البشري لهذا الطفل قد تعوّد على الاستماع والمشاهدة والتركيز اللحظي، ثم نسيان ما تمت مشاهدته في هذا الفيديو، والاستعداد لتركيزٍ لحظيٍّ آخر للفيديو التالي، ثم الذي يليه، وهكذا، هذا التدريب غير المقصود للعقل على التفاعل اللحظي مع كل محتوى مرئي ، هل أثّر على ذاكرة المدى الطويل لأبنائنا وجعل من الصعب عليهم للغاية حفظ أو تذكّر ما يجب عليهم حفظه من معلوماتٍ دراسيةٍ أو آياتٍ قرآنية ؟
وكباحثةٍ أكاديمية، اتجهتُ لما تم نشره من دراساتٍ محكّمة في هذا الصدد، لعلّني أجد ضالّتي ، في دراسةٍ للباحثين Chen وآخرين نُشرت عام 2022 ، تم إجراؤها على مستخدمي الفيديوهات القصيرة، ووجدت أن المستخدمين الذين أُشير إليهم كمُدمِنين أظهروا ضعفًا أكبر في القدرة على التركيز والتنفيذ المعرفي مقارنةً بغيرهم، مع مؤشراتٍ عصبيةٍ مثل بطء الاستجابة وزيادة تشتيت الانتباه .
وهذه ليست مجرد مشكلةٍ سلوكية، بل تلميحٌ إلى كيف أن “الذكاء الاصطناعي” أي الخوارزميات التي تزرع المحتوى المناسب في الوقت المناسب أصبح جزءًا من بيئة التعلّم الحسي والمعرفي لأبنائنا، مما يجعل تساؤلنا مشروعًا: ” هل نحن من نستخدم التقنية، أم هي التي تستخدمنا ” ؟.
إنّ سلسلة التمرير السريع – فيديو تلو الآخر – لا تزال في ظاهرها مجرد تسلية، لكن خلفها يقف نظامٌ ذكي، تطبيقات مثل تيك توك وإنستجرام وريلز وغيرها من منصّات الفيديو القصير تستعمل خوارزمياتٍ مدروسة تُعزّز بقاء المستخدم وقتًا أطول .
هذا البقاء ليس بريئًا، إذ يُحفّز الدماغ على إفراز مادة الدوبامين (Dopamine) وهي “مادة المكافأة” في المخ كلما تلقّى مشهدًا جديدًا مثيرًا أو غير متوقّع.
النتيجة ؟ صياغةُ نمطٍ جديد من التفكير: «التفاعل اللحظي – المكافأة الفورية» بدلًا من نمط ” التركيز ، الحفظ ، الاستدراك ” ، ما يُضعف تدريجيًا القدرة على التعلّم العميق والذاكرة طويلة الأمد .
ذاكرة أبنائنا ليست بالضرورة «ضائعة» إلى الأبد، لكنها معرّضة لتغييراتٍ في أنماط التعلّم نتيجة البيئة الرقمية ،التحدّي اليومي لنا كآباءٍ ومعلّمين هو إعادة توازن المنبّهات، وتعليم أطفالنا كيف يستعيدون قدرة التركيز والتذكّر العميق.
شاركوني تجاربكم:
- هل لاحظتم تغيّرًا في القدرة على التذكّر عند أبنائكم ؟
- وما الإجراءات التي نجحت معكم ؟



