اخلاقنامصر مباشر - الأخبارمصر مباشر - الجريمة

السلوك السوي في مواجهة زمن المهازل

كتب: بهاء النجريدي

في زمنٍ تتراجع فيه القيم، وتتصدر المهازل المشهد الاجتماعي والإعلامي والسياسي، يصبح السلوك السوي هو خط الدفاع الأول لبناء مجتمع متماسك وآمن. فالمجتمع لا يقوم على القوانين وحدها ولا على الأمن فقط، بل يقوم على منظومة من القيم التي تُغرس في النفوس عبر القدوة الحسنة.

القدوة ليست مجرد شخصية مثالية تُذكر في الكتب، وإنما هي ممارسة يومية يراها الناس في الأب وهو يربي أبناءه، وفي المعلم وهو يزرع القيم في طلابه، وفي رجل القانون وهو يعدل، وفي المسؤول حين يتجرد من مصالحه. غياب هذه القدوة يفتح الباب أمام زمن المهازل، حيث يُصبح البلطجي نجمًا، والمحتال قدوة، والفاسد صاحب نفوذ، فيتحول الانحراف إلى صورة براقة بينما يختفي النموذج الإيجابي خلف ستار من التهميش.

المجتمع اليوم يعيش مشاهد مؤلمة تعكس تغلغل المهازل في تفاصيل حياته اليومية. في الشارع بات الاستقواء والبلطجة أعلى صوتًا من القانون. في الإعلام أصبح مروجو التفاهة نجوماً، بينما يُهمل أصحاب الفكر الجاد. في السياسة تُرفع الشعارات ولا تجد من يترجمها إلى أفعال. وفي التربية تراجع دور الأسرة والمدرسة لصالح الهاتف و”الترند” الذي صار المربي الأول للأجيال الجديدة.

غياب القدوة ينعكس بشكل مباشر على النسيج الاجتماعي، فيتولد جيل بلا بوصلة أخلاقية واضحة، وتنتشر مظاهر العنف كوسيلة للتعبير والسيطرة، ويتراجع احترام القانون بعدما يُحتفى بالمجرم بدلاً من معاقبته. بل إن مفهوم النجاح نفسه بات مشوهًا، إذ لم يعد مرتبطًا بالعلم والاجتهاد، وإنما بالتحايل والتفاهة والقدرة على لفت الانتباه.

ومع ذلك، يبقى الأمل في إعادة الاعتبار للسلوك السوي وإبراز النماذج الإيجابية. الإعلام يستطيع أن يكون مصنعًا للقيم إذا وجه رسائله نحو ما يفيد، والأسرة والمدرسة يمكنهما أن تعيدا صياغة وعي الأجيال إذا استعادت كل منهما دورها الحقيقي، فيما يبقى تطبيق القانون بعدل وحزم حائط صد أمام الفوضى.

إن المجتمع أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الانزلاق في زمن المهازل حيث يصبح الانحراف قاعدة، أو إعادة الاعتبار للسلوك السوي والقدوة الحسنة كشرط أساسي لبقاء المجتمعات واستقرارها. فالقدوة ليست رفاهية ولا ترفًا فكريًا، بل هي ضرورة وجودية، وإذا استطعنا أن نعيد إليها مكانتها، حينها فقط ينكسر زمن المهازل وتستعيد المجتمعات إنسانيتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com