«لموا الآلات يا ولاد».. حين لقنت أم كلثوم مدير مسرح «الأوليمبيا» درساً في الوطنية بباريس

بقلم: رانيا عبد البديع
لم تكن كوكب الشرق “أم كلثوم” مجرد حنجرة ذهبية تسكن الأبراج العاجية، بل كانت النموذج الأسمى لـ “بنت البلد” المصرية؛ تلك الشخصية التي تمزج بين الهيبة والبساطة، والذكاء الفطري والحزم الصارم. كانت تدرك “أصول أولاد البلد” تمام الإدراك، وتعتز بكرامتها ووطنيتها إلى الحد الذي جعلها مستعدة للتضحية بأكبر نجاحاتها الفنية في سبيل موقف وطني شريف.
موقف تاريخي على مسرح «الأوليمبيا»
في مذكراته “يوماً أو بعض يوم”، روى الكاتب الكبير محمد سلماوي واقعة تعكس شموخ أم كلثوم، حين كانت تحيي حفلها التاريخي على مسرح “الأوليمبيا” الشهير في باريس. فخلال الاستراحة، فوجئ سلماوي بمدير المسرح “كوكاتريكس” يطلب منه الترجمة للتحدث مع كوكب الشرق، ليبدي اعتراضه على التقديم الحماسي للمذيع جلال معوض.
وكان جلال معوض قد قدم الوصلة الأولى بروح وطنية قائلاً: «اليوم تشدو كوكب الشرق في عاصمة النور، وغداً بإذن الله في القدس المحررة»، وهو ما أزعج مدير المسرح الذي اعتبر الحديث سياسياً لا مكان له في حفل فني.
«لموا الآلات يا ولاد».. الانتفاضة الكبرى
ورغم إجادة أم كلثوم للفرنسية، إلا أنها فضلت سماع الترجمة وهي جالسة بكل هيبة. وبمجرد أن فهمت رغبة المدير في تحييد النبرة الوطنية للحفل، انتفضت واقفة وقالت كلمتها التي هزت أركان المسرح:
«قل له بل نحن في مناسبة وطنية، وإني جئت إلى فرنسا للمساهمة في المجهود الحربي لبلادي، وإذا كان أسلوبنا لا يروقه فليعتبر اتفاقنا لاغياً».
ولم تكتفِ بذلك، بل التفتت إلى أعضاء فرقتها الموسيقية بلهجة حازمة قائلة: «لموا الآلات يا ولاد»، في إشارة صريحة لإلغاء الحفل ومغادرة المسرح فوراً.
الاعتذار وتراجع «كوكاتريكس»
أمام هذه القوة والوضوح، كاد مدير المسرح أن يُغشى عليه من هول الموقف وضياع الحدث الفني الأهم، فما كان منه إلا أن انهال بالاعتذارات والتوسلات المتكررة لتعدل أم كلثوم عن قرارها. وبالفعل، عادت كوكب الشرق لاستكمال الحفل، وقدم جلال معوض الوصلة الثانية بذات الحماس الوطني دون أن يجرؤ أحد على مقاطعته.
هكذا سجلت أم كلثوم فصلاً جديداً من فصول نضالها، مؤكدة أن الفن بالنسبة لها لم يكن يوماً مجرد غناء، بل كان رسالة وطنية مقدسة وسلاحاً ناعماً في معركة الكرامة، رافضة أن يملي عليها أحد ما يخالف قناعاتها الراسخة تجاه وطنها وأمتها.



