الرياضةفيتشر

قبل صافرة الحلم… السعودية تراهن على “الرجل الذي يعرف الطريق”

أبوظبي – محمد عاطف 

في لحظةٍ بدت كأنها سباق مع الزمن، وبين ضجيج الانتقادات وصمت الترقب، اتخذ الاتحاد السعودي لكرة القدم قراره الأجرأ قبل أشهر قليلة من كأس العالم 2026: تسليم الدفة الفنية إلى المدرب اليوناني جورجيوس دونيس. لم يكن مجرد إعلان عابر، بل إشارة واضحة إلى أن ما هو قادم يحتاج إلى عقلٍ يعرف التفاصيل، لا مجرد اسمٍ كبير.

القصة هنا لا تبدأ من توقيع عقد، بل من سؤالٍ أكبر: كيف تستعيد منتخبًا فقد شيئًا من بريقه في توقيتٍ حساس؟

في شوارع الرياض، حيث تختلط حرارة الطقس بحرارة النقاشات الكروية، كان اسم دونيس يتردد بسرعة لافتة. مدربٌ ليس غريبًا عن الملاعب السعودية، يعرف طبيعة اللاعب المحلي، ويدرك إيقاع الدوري، ويحفظ تفاصيل العقلية الكروية في المنطقة. ربما لهذا السبب تحديدًا، لم يكن اختياره مقامرة بقدر ما كان “رهانًا محسوبًا”.

الاتحاد قالها بوضوح: الرجل سيقود المنتخب حتى يوليو 2027. لكن ما لم يُقل في البيان، كان أكثر أهمية أن الوقت لم يعد يسمح بالتجارب الطويلة.

قبل أقل من شهرين على انطلاق كأس العالم في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، يدخل “الأخضر” المرحلة الأخيرة من الإعداد. مرحلة لا تحتمل الأخطاء، ولا تعترف بالأعذار. خسارتان وديتان أمام مصر وصربيا كانتا كفيلتين بإشعال موجة انتقادات، أنهت العلاقة مع الفرنسي هيرفي رونار، وفتحت الباب أمام تغيير سريع.

في مثل هذه اللحظات، لا يبحث المدرب عن الوقت، بل عن “المفاتيح”. ودونيس، بطريقته الهادئة، يبدو وكأنه يملك بعضها.

حين تنظر إلى مسيرته، لا تجد مدربًا صاعدًا بقدر ما ترى “رحالة كروية”. من أثينا إلى نيقوسيا، ومن الرياض إلى الشارقة، تنقل بين مدارس مختلفة، وخرج منها بألقاب وتجارب صنعت منه مدربًا براغماتيًا يعرف كيف يتعامل مع الضغوط.

فاز بالدوري القبرصي وكأسه في موسم واحد، وحقق مع الهلال كأس الملك والسوبر، وهي بطولات لا تُحصد فقط بالأسماء، بل بقدرة على قراءة اللحظة. لكن الأهم من الألقاب، هو أنه يعرف كيف يبدأ بسرعة.

في الكواليس، هناك سباق خفي يجري الآن. معسكر أخير في الولايات المتحدة، مؤتمر صحفي مرتقب في الرياض، وجهاز فني يبدأ من الصفر تقريبًا، لكن تحت ضغط بطولة عالم.

وفي مجموعة ليست سهلة إسبانيا، الأوروغواي، والرأس الأخضر سيكون على المنتخب السعودي أن يعيد تعريف نفسه من جديد. هل يلعب بحذر؟ أم يغامر؟ هل يعتمد على الخبرة؟ أم يمنح الفرصة لجيل جديد؟ كلها أسئلة، والإجابة تبدأ من غرفة الملابس.

بعيدًا عن الخطط والتكتيك، هناك جانب إنساني في القصة. دونيس، اللاعب السابق الذي ارتدى قميص منتخب اليونان في التسعينيات، لم يكن يومًا نجم الصف الأول، لكنه كان دائمًا “اللاعب الذي يعمل بصمت”. وربما هذا ما يحمله اليوم إلى مقاعد التدريب: فلسفة تقوم على الجهد قبل الضجيج.

هو ليس مدرب العناوين الكبيرة، لكنه قد يكون مدرب اللحظة المناسبة.

في النهاية، لا أحد يعرف كيف ستُكتب فصول هذه القصة في المونديال. لكن المؤكد أن القرار السعودي لم يكن مجرد تغيير مدرب، بل محاولة لإعادة ضبط البوصلة في توقيت حرج.

وبينما يستعد “الأخضر” لرحلته إلى أميركا الشمالية، يبقى السؤال معلقًا في أذهان الجماهير: هل يكون جورجيوس دونيس مجرد محطة عابرة… أم بداية حكاية تُروى طويلًا؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى