أبوظبي – محمد عاطف
في سجل كرة القدم المصرية، تتزاحم الأسماء وتختلف الحكايات، لكن قليلًا منها ما ينجح في تجاوز حدود المستطيل الأخضر ليصبح ظاهرة إنسانية متكاملة. في مقدمة هذه النماذج، يبرز اسم محمد أبو تريكة، لاعب لم تُعرّفه مهاراته فقط، بل صاغت أخلاقه ومسيرته صورة خاصة في وجدان الجمهور.
وُلد أبو تريكة في قرية ناهيا بمحافظة الجيزة عام 1978، في بيئة بسيطة شكّلت ملامح شخصيته مبكرًا. بين العمل في سن صغيرة لاستيعاب متطلبات الحياة، والاستمرار في مسار التعليم حتى التخرج في كلية الآداب جامعة القاهرة، تشكّلت ملامح لاعب يدرك قيمة الاجتهاد والانضباط، قبل أن يعتلي منصات النجومية.
بدأت رحلته الكروية عبر بوابة الأندية الشعبية، وصولًا إلى نادي الترسانة، حيث لفت الأنظار بموهبته، قبل أن ينتقل إلى النادي الأهلي، ليبدأ فصلًا جديدًا من التألق. داخل صفوف الأهلي، تحوّل إلى أحد أبرز صناع اللعب في تاريخ الكرة المصرية، لاعب يجمع بين الرؤية التكتيكية واللمسة الحاسمة، ما جعله عنصرًا مؤثرًا في حصد البطولات محليًا وقاريًا.
تميّز أسلوبه بالهدوء والدقة، وقدرته على صناعة الفارق في اللحظات الحاسمة، وهو ما دفع كثيرين إلى مقارنته بالنجم الفرنسي زين الدين زيدان، دون أن يفقد خصوصيته الفنية. لم يكن مجرد لاعب يؤدي دورًا داخل الملعب، بل صانع إيقاع يحدد مسار المباراة.
غير أن ما منح أبو تريكة مكانته الاستثنائية، يتجاوز حدود الأداء الفني. فقد حافظ طوال مسيرته على سجل انضباطي لافت، دون حصوله على بطاقة حمراء، في دلالة على التزامه بقواعد اللعبة وروحها. كما برزت مواقفه الإنسانية في محطات عدة، عكست وعيًا بدوره المجتمعي، سواء من خلال دعمه لقضايا إنسانية، أو مبادراته التضامنية داخل وخارج مصر.
مثّلت أحداث بورسعيد محطة فارقة في مسيرته، إذ لم يكتفِ بالحضور الرياضي، بل لعب دورًا إنسانيًا واضحًا عبر دعم أسر الضحايا، واتخاذ مواقف عبّرت عن رؤيته تجاه العدالة والمسؤولية. وهي مواقف رسّخت صورته كأحد اللاعبين الذين يمتلكون موقفًا، لا مجرد موهبة.
أنهى أبو تريكة مسيرته الكروية عام 2013، بعد سجل حافل بالبطولات والإنجازات، إلا أن حضوره لم ينقطع، حيث واصل تأثيره عبر العمل الإعلامي والمبادرات الإنسانية. وبمرور الوقت، لم تتراجع مكانته، بل تحولت إلى نموذج يُستدعى كلما طُرحت أسئلة القدوة في الرياضة.
إن تجربة محمد أبو تريكة تقدم مثالًا واضحًا على لاعب استطاع أن يحقق المعادلة الصعبة: التميز الرياضي مقرونًا بالالتزام الأخلاقي. وبين الأهداف التي سجّلها، والمواقف التي تبنّاها، تبقى القيمة الأهم في مسيرته هي الأثر الذي تركه… أثر يتجاوز الأرقام، ويستقر في ذاكرة جمهور لا ينسى.



