
ميادة قاسم ـ الجمعة 21 نوفمبر 2025
«يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدًا إن الشيطان للإنسان عدو مبين»
سورة يوسف
كلمة واحدة قالها يعقوب عليه السلام لابنه يوسف، حملت في طيّاتها حكمة تتجاوز الزمن، وتحمي النفس من شرور قد لا تراها العين المجردة.
لم يكن يعقوب يشكّك في إيمان أبنائه، ولا في حبّهم لوالدهم، لكنه عرف طبيعة النفس البشرية.
لا شك أن النعمة إذا ظهرت أمام عين تحسد، تحولت في لحظة إلى فتنة.
ومن هنا جاءت الوصية الخالدة، ومنها نستخلص ثلاث عِبر لا تغيب عن بال العاقل:
1. لا تذكر النعم أمام كل أحد.. فليس كل مستمع لك محبًا.. ف النعمة إذا بُوح بها في غير موضعها صارت دعوة للحسد.
قد تفرح بمنصب جديد، بزواج، بنجاح أبنائك، بمال حلال بارك الله فيه.. فتسارع إلى إخبار من حولك ظنًا منك أنهم سيفرحون لفرحك.
لكن بعض القلوب لا تسع فرحتين في آن: فرحتها وفرحتك.
فإما أن تُحسد فيصيبك عينها، وإما أن تُكايد فتُخطط لزوال نعمتك.
احفظ نعمة الله عليك، واشكرها في السر قبل العلن، فالحمد الخفي أبلغ وأأمن.
2. لا تكن كتابًا مفتوحًا لمن حولك ف بعض الناس يقرأونك ليستضعفوك، لا ليحبوك.
يُعطونك أذنًا صاغية اليوم، ليستخدموا كلامك سلاحًا عليك غدًا.
هناك من يستهين بالسطور، فيحتقر طموحك ويصغّر أحلامك.
وهناك من يسيء الفهم، فيحوّل كلامك إلى تهمة لم تقُلها.
وهناك من لا يفهم أصلاً، فلا يستحق أن يعرف.
كن كالصندوق المغلق: مفتاحه بيدك أنت، وتفتحه لمن يستحق فقط.
3. أخفِ بعض أسرارك.. فربما لن يملك أحد قميص يوسف، ولن تملك أنت صبر يعقوبلو كان عند إخوة يوسف قميص آخر يطمئن به والدهم، لما نجحت خديعتهم.
ولو كان عندك أنت صبر يعقوب، لاستطعت أن تتحمل كيد من أحببت لو انكشف أمرك.
لكننا لسنا يعقوب، والناس ليسوا ملائكة.
فاحفظ رؤياك، واحفظ خططك، واحفظ قلبك.
دعهم يرون النتيجة حين تكتمل، لا العجينة وهي تُعجن.
في النهاية..
الكتمان ليس جبنًا، ولا بخلاً بالفرح، إنه وقاية للقلب، وحماية للنعمة، وتعقل مع الله قبل الخلق.
ولما بلغ أشدّه آتيناه حكمًا وعلما وكذلك نجزي المحسنين
احفظ رؤياك.. فالطريق إلى تحقيقها قد يمر عبر بئر، ثم قصر، والله وحده يعلم متى يأذن للشمس أن تطلع من مغرب الحسد.



