مصر مباشر - الأخبار

حين يسقط الأسد في دمشق ويستيقظ في بيروت: لبنان بين دولة حزب الله وسوريا الجديدة

 

بقلم: المستشار كرم خليل

لم يعد لبنان يعيش أزمة عابرة، بل يقيم داخل معادلة وجودية خطرة: دولة معلّقة بين دستور معطَّل، واقتصاد منهار، وقرار سيادي محجوب لصالح حزبٍ مسلَّح مرتبط بعقيدة وتوجيهات عابرة للحدود. في جوهر هذه المعادلة يقف حزب الله، بوصفه الأداة الأبرز للمشروع الإيراني في المشرق، يحوِّل لبنان من دولةٍ ذات رسالة حضارية وتوازن دقيق إلى ساحةٍ لحروب الوكالة، وذراعٍ متقدّم في صراع طهران المفتوح مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

إيران لا تدافع عن عقيدة مذهبية مهدَّدة، بل تستثمر في البُعد المذهبي أداةً لقوننة نفوذها السياسي والعسكري. المذهب هنا ليس إطاراً روحياً أو ثقافياً، بل مادة خام لصناعة الميليشيا، وتعبئة “الجماعة المقاتلة”، وتبرير جرائم الحرب تحت لافتة “المقاومة” و”محور الصمود”. النتيجة أن شريحة واسعة من الشيعة في المنطقة تُدفَع دفعاً إلى موقع الكتلة المتَّهمة والمكروهة، لا بسبب هويتها الدينية، بل بفعل توظيفها وقوداً في مشروعٍ إقليمي لا يعترف بحدود الدول ولا بكرامة المجتمعات.

لبنان واحد من أبرز ضحايا هذا المشروع، إلى جانب اليمن والعراق وسوريا سابقاً. بلدٌ كان يمكن أن يكون نموذجاً للعيش المشترك، تحوّل إلى منصة صواريخ، وممر تهريب، ومختبَرٍ دائم لتصفية الحسابات. تمّ تطييف الدولة ومأسسة الفراغ: رئيس لا يُنتخَب إلا بتوقيع “حزب الأمر الواقع”، وحكومة لا تُشكَّل إلا بشروطه، واقتصاد يُدار بمنطق اقتصاد الحرب والتهريب، لا بمنطق الاستثمار والإنتاج.

الأسدية كنظام أمر واقع في بيروت

يمكن القول بلا مبالغة: سقط نظام الأسد في دمشق، لكنه عاش وتمأسس في بيروت. ليس المقصود الأشخاص أو الوجوه، بل نموذج الحكم: دولة عميقة ممسكة بالمفاصل الأمنية والعسكرية والقضائية، تستخدم القانون ستاراً، والمؤسسات واجهة، والقضاء العصا التي يُضرَب بها كل من يجرؤ على معارضة سلطة الأمر الواقع.

المحكمة العسكرية في لبنان مثال صارخ. يفترض – في دولة طبيعية – أن يُحصر اختصاصها بمحاكمة العسكريين والملفات ذات الطابع العسكري الصرف. لكن ما جرى خلال العشرين عاماً الماضية هو توسيعٌ منهجي لصلاحياتها كي تصبح أداة تأديب سياسي: كل معارض يمكن أن يُلبَّس تهمة “الإرهاب” أو “العمالة”، وكل صوتٍ يخرج عن الخط المرسوم يُجرَّم بدل أن يُناقَش.

قضايا عديدة أثارت جدلاً واسعاً، من بينها قضية كندة الخطيب وغيرها، حيث تحوّلت تهمة “العمالة لإسرائيل” إلى سلاح جاهز لإسكات أي خطاب لا ينسجم مع منطق المحور المسيطر. يكفي أن ترفع صوتك ضد سلاح حزب الله، أو أن تتضامن مع الثورة السورية، أو أن ترسل مساعدة إنسانية إلى منطقةٍ مصنَّفة “معارضة”، حتى تُعامل في الخطاب الأمني والإعلامي كإرهابي أو مشبوه.

في المقابل، كان مقاتلو حزب الله يعبرون الحدود إلى سوريا عبر معبر المصنع وغيره بأسلحتهم الثقيلة والخفيفة، ذهاباً وإياباً، بلا مساءلة ولا محاسبة. أبٌ يُسجَن لأنه حوَّل المال لابنه كي لا يجوع، بينما ميليشيا عابرة للحدود تُمنح حق القتل خارج الحدود تحت شعار “المقاومة”. هذه ليست فقط ازدواجية في المعايير؛ إنها إعادة تعريف جذرية لمعنى الدولة والقانون، حيث يحتكر طرفٌ واحد حقّ تعريف “الخيانة” و”الوطنية” و”الإرهاب” وفق مصلحته الخاصة.

اقتصاد منهار ودولة تتآكل

هذه الهيمنة ليست بلا ثمن. لبنان اليوم غارق في انهيار اقتصادي غير مسبوق: عملة منهارة، نظام مصرفي متآكل، هجرة كفاءات واسعة، فراغ سياسي متكرر، وثقة عربية ودولية شبه مفقودة. المستثمر لا يأتي إلى بلد يتحكم قرار الحرب والسلم فيه تنظيمٌ مسلح، والمواطن لا يستطيع بناء مستقبل في دولة لا تضمن له أبسط مقومات الأمان القانوني والمعيشي.

إن الإبقاء على حزب الله بوضعه الحالي – جيشاً موازياً، وقراراً خارج المؤسسات، وامتداداً صريحاً للمشروع الإيراني – يعني عملياً ترحيل لبنان من خانة “الدولة” إلى خانة “الكيان المعلّق”. كيانٌ مثخن بالجراح، يتغذى على المساعدات والتحويلات، ويستعد دائماً لجولة جديدة من الحرب مع إسرائيل ستجد هذه الأخيرة ألف ذريعة لشنّها ما دام القرار الاستراتيجي خارج بيروت الرسمية.

سوريا الجديدة: من الركام إلى إعادة التأسيس

في المقابل، وبعد أربعة عشر عاماً من الثورة والحرب والدمار والنزوح وانهيار البنية الاقتصادية والأخلاقية، تدخل سوريا – بعد إسقاط نظام الأسد – مرحلة إعادة التأسيس لا مجرد “إعادة الإعمار”. الفارق جوهري: إعادة الإعمار يمكن أن تجمّل وجه نظامٍ مافيوي؛ أما إعادة التأسيس فتعني وضع عقد اجتماعي جديد، وإعادة تعريف علاقة المجتمع بالجيش والأمن والقضاء والاقتصاد.

سوريا اليوم تبني، على قاعدة استراتيجية شاملة، منظومة دولة تسعى إلى استعادة احتكار العنف الشرعي، وتفكيك إرث الميليشيات والولاءات الخارجية، وربط الاقتصاد الوطني بشبكات الطاقة والتجارة الإقليمية، بعيداً عن وصاية طهران التي لم تجلب لها سوى الحصار والدمار. خلال أحد عشر شهراً فقط بعد النصر، حققت سوريا قفزة ملموسة في قطاعات الخدمات الأساسية والبنية التحتية، تكفي لمقارنتها بلبنان الذي ما زال يدور في حلقة الانهيار المغلق. ومع عام إضافي من العمل المتماسك، ستكون الفجوة أعمق بعشرات المرات بين دولة تستعيد نفسها، ودولة تُستنزفها الميليشيا.

بين نموذج الدولة ونموذج الميليشيا

المفارقة الاستراتيجية هنا واضحة: بلد خرج من حرب شاملة كبرى يملك فرصة لإعادة بناء دولته على أسس جديدة، وبلد لم يشهد حرباً أهلية شاملة في السنوات الأخيرة لكنه يتآكل من الداخل بفعل سلاحٍ واحد وقرارٍ واحد وهيمنةٍ واحدة. سوريا الجديدة تتقدّم لأنها اختارت كسر الحلقة الجهنمية بين الاستبداد الداخلي والوصاية الخارجية؛ ولبنان يتراجع لأنه ما زال يهرب من لحظة الحقيقة: لا دولة مع سلاح خارج الدولة، ولا عقد اجتماعي مع محكمة عسكرية تُستخدم سوطاً ضد المعارضين، ولا اقتصاد مع اقتصاد ظلّ وسلاح موازٍ وحدود مخترقة.

ما الذي يحتاجه لبنان لينجو؟

خريطة الطريق نظرياً واضحة، وإن كانت عملياً شديدة الكلفة:

إعادة تأسيس العقد الاجتماعي عبر دستور جديد أو تعديل عميق يكرّس المواطنة لا المحاصصة الطائفية، ويعيد تعريف دور الدولة كمرجع أعلى لا كشريك بين شركاء.
حصر السلاح بيد الجيش اللبناني ضمن جدول زمني واضح، مع برنامج نزع سلاح الميليشيات ودمج من يمكن دمجه في مؤسسات الدولة، وتحويل خطاب “المقاومة” من احتكار فئوي إلى استراتيجية دفاع وطنية تقرّرها المؤسسات الشرعية.
إصلاح جذري للقضاء وعلى رأسه إنهاء توظيف المحكمة العسكرية أداةً للانتقام السياسي، وحصر اختصاصها بالمجال العسكري، وإطلاق يد القضاء المدني المستقل في الملفات السياسية والاقتصادية والمالية.
إعادة تموضع استراتيجي للبنان في محيطه العربي بعيداً عن محور طهران، عبر استعادة الثقة الخليجية والدولية، وتحويل البلد من ساحة صراع إلى منصة استثمار وتكامل اقتصادي مع سوريا الجديدة وسائر المشرق.

نافذة الفرصة تضيق

لبنان اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن ينضم إلى موجة إعادة بناء الدولة في المنطقة، كما تفعل سوريا بعد إسقاط نظام الأسد، فيختار طريق الدولة المدنية ذات السيادة الكاملة على قرارها وسلاحها وحدودها؛ أو أن يبقى أسيراً لدولة حزب الله العميقة، فيتحول شيئاً فشيئاً إلى خرابة سياسية واقتصادية وأمنية، تُذكرنا بما آلت إليه تجارب أخرى تركت القرار للسلاح بدل القانون.

التاريخ لن يرحم، والجغرافيا لا ترحم أيضاً. سوريا التي نُظر إليها لعقود بوصفها “ملفاً أمنياً” أصبحت اليوم مرشحة لتكون محور توازن إقليمي جديد. ولبنان الذي كان يُقدَّم نموذجاً للثقافة والاقتصاد والخدمات مهدَّد بأن يصبح حاشية هامشية على خريطة إقليم يعاد رسمه. الفارق بين المسارين يُختزل في سؤال واحد: هل نريد دولة، أم نستسلم لدولة الميليشيا؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى