اخلاقناالعائلة

لقب بحِبّ رسول الله ﷺ.. أسرار عن الصحابي الوحيد الذي ذُكر اسمه في القرآن الكريم

كتبت: شروق الشحات 

كثير من الناس يعرفون الصحابي الجليل أسامة بن زيد، الذي اشتهر بلقب “الحِبّ بن الحِبّ”، لحبّ النبي ﷺ له ولأبيه، لكن قليلين من يعرفون قصة والده…

ذلك الرجل الذي كان يُلقّب بـ “حِبّ رسول الله ﷺ”، والذي ذُكر اسمه صريحًا في القرآن الكريم، دونًا عن سائر الصحابة.

إنه زيد بن حارثة… الصحابي الذي بدأت رحلته من محنة مؤلمة لتنتهي بأعظم شرف.

تبدأ الحكاية حين خرجت والدته سُعدى بنت ثعلبة لزيارة قومها، وكانت تصحب معها غلامها الصغير زيد.

وما إن نزلوا عند قومها حتى أغارت خيل بني القين على ديارهم، فنهبوا الأموال، وساقوا الإبل، وسبوا النساء والأطفال… وكان من بينهم ذلك الغلام اليافع زيد بن حارثة.

أُخذ زيد إلى سوق عكاظ وهو لا يزال في الثامنة من عمره، وعُرض للبيع مع مجموعة من الصبيان.

اشتراه حكيم بن حزام، سيدٌ من سادات قريش، وقدّم الغلام هدية لعمّته خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، التي اصطفته من بين الغلمان وأكرمته، ثم أهْدته لزوجها محمد ﷺ بعد أن تزوجته.

في تلك الأثناء، كان والد زيد يعيش مأساة فَقْد ابنه، لا يدري أحيّ هو أم هلك. أنشد الشعر حزنًا عليه، وأمضى الأيام بين رجاء ويأس.

حتى جاءه من يخبره بأن ابنه حيّ في مكة، يعيش في كنف أسرة كريمة.

فانطلق حارثة ومعه أخوه كعب، يحملان المال لفداء الابن الغائب.

وصلا إلى مكة، وسألا عن النبي ﷺ، فقيل لهما إنه في المسجد. دخلا عليه وقالا:

“يا ابن هاشم، جئناك في ولدنا، فأحسن إلينا وخذ ما شئت من الفداء.”

فقال ﷺ بكل عدل ورحمة: “ادعوه وخيروه؛ فإن اختاركما فهو لكما بلا فداء، وإن اختارني، فما كنت لأختار عليه أحدًا.”

جاء زيد، فعرف أباه وعمه، واحتضنهما، لكنه حين خُيّر قال الكلمة التي غيّرت حياته إلى الأبد:

“ما أنا بالذي أختار عليك أحدًا.”

بهت الأب والعم… أيترك ابنهما حريتهما ليبقى عبدًا؟

لكن زيد قال:

“لقد رأيت من هذا الرجل ما لا أختار عليه أحدًا أبداً.”

أخذ النبي ﷺ بيده، ووقف به أمام الناس وقال:

“اشهدوا أن زيدًا ابني يرثني وأرثه.”

ومنذ ذلك اليوم سُمّي زيد بن محمد… حتى نزل قول الله تعالى:﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ ۚفَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ۚ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ۚوَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾

فعاد اسمه إلى زيد بن حارثة، ولكن بقي حبّ النبي ﷺ له كما كان، بل أشد.

ومع بزوغ شمس الإسلام، كان زيد من أوائل من أسلموا؛ أسلم في اليوم الأول، مع خديجة وأبي بكر وعلي.

وأصبح الناس يلقبونه بـ “حِبّ رسول الله ﷺ”، وهذا وحده شرفٌ يكفيه.

أراد النبي ﷺ أن يهدم الطبقية الجاهلية، فخطب لزيد زينب بنت جحش، من أشرف نساء قريش. ترددت زينب، فنزل قول الله تعالى:﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾

فقالت: “رضيتُ يا رسول الله”، وتزوجت زيدًا، لكن الخلاف دبّ بينهما وانتهى بالطلاق.

وكان الله قد أراد أمرًا آخر… إذ نزل قول الله تعالى:﴿فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴾

وكان هذا الزواج إعلانًا إلهيًا لإبطال عادة التبنّي الجاهلية التي كانت تحرّم زواج الرجل من مطلّقة من تبنّاه.

وعندما نُزع من زيد شرف أن يُدعى “ابن محمد”، عوّضه الله بشرف لا يُعطى إلا للأنبياء: ذكر اسمه صريحًا في القرآن الكريم.

قال السهيلي رحمه الله: “كان هذا تعويضًا لزيد، وتأنيسًا له، وشرفًا لم يُعط لغيره من أصحاب رسول الله ﷺ.”

هكذا بدأت قصة زيد بسبْيٍ مؤلم، وانتهت بأن يكون:

_الصحابي الوحيد المذكور اسمه في القرآن

_القائد المحبوب

_الحبيب الذي اختار النبي ﷺ على نفسه وأهله

_واللبنة الأولى في بناء دولة الإسلام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى