اخلاقنا

“الغلّ… العدو الخفيّ الذي يدمّر القلوب ويهدّد تماسك المجتمع”

 

كتبت ـ داليا أيمن

لا يعيش الإنسان بسلام ما دام يحمل في صدره غلًّا أو حقدًا أو ضغينة، فهذه المشاعر السوداء لا تهدم علاقتنا بالآخرين فقط، بل تفتك بصاحبها قبل أي أحد.
ورغم أن الأديان والعقول والفطرة السليمة تدعو للصفاء والتسامح، يظلّ الغلّ آفة تتسلل إلى النفوس إذا لم ننتبه لها ونحاربها بالوعي.

ما هو الغلّ؟

يُعرَّف الغلّ بأنه الحقد الكامن والضغينة المستترة في النفس.
وفي اللغة يُقال: “الغلّ والحسد يأكلان الحسنات”، وهي عبارة تختصر أثر هذه الصفة على الروح والسلوك.

وجاء ذكر الغلّ في القرآن في أكثر من موضع، أبرزها قوله تعالى:
{وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ}
وهي بشارة بأن أهل الجنة مُطهَّرون من كل ضغينة.

الغلّ… بين المعنى الأخلاقي والديني

لا يقف الغلّ عند كونه شعورًا داخليًا، بل يتعدى ذلك ليؤثر على سلوك الإنسان وتعامله مع الآخرين، وقد يصل إلى الخيانة؛ إذ جاءت آية أخرى قاطعة:
{وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}
أي أن الغلول—وهو أخذ المال أو الغنيمة خفية—من كبائر الذنوب التي تشوّه القلب.

ومن المعاني اللغوية أيضًا: “غلّ في البلاد” أي سار فيها، ولكن الاستخدام الشائع يرتبط بالعداوة الداخلية والحقد.

لماذا يرفض الإسلام الغلّ؟

الإسلام دين يقوم على نقاء القلوب ووحدة الصف وإصلاح ذات البين.
لذلك جاءت النصوص القرآنية والنبويّة واضحة في التحذير من الغلّ، وفي الدعوة للمحبة والتسامح.

ومن دعاء الصالحين الذي سجّله القرآن:
{رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا}
وهي دعوة تُظهر أن سلامة القلب ليست اختيارًا… بل عبادة.

الآثار النفسية والاجتماعية للغلّ

يصف الدكتور محمد البهي الغلّ والحقد والحسد بأنها “مصادر الشرّ في المجتمع الإنساني”، لأنها:

تفسد العلاقات بين الناس

تمنع التعاون

تهدم المجتمعات من الداخل

تجعل الشخص الحاقد يعيش في اضطراب دائم

وتزيد من السلبية والرغبة في تدمير نجاح الآخرين

الشخص الذي يحمل غلًا لا يستطيع البناء، يعيش في مقارنة دائمة، ويستهلك صحته النفسية في مطاردة أوهام.

الغلّ وحرمان صاحبه

ورد في الفقه الإسلامي أن الإمام لا يصلي على “الغالّ من الغنيمة”، أي من يخون الأموال العامة.
وهذا يؤكد أن الغلول—أحد معاني الغلّ—ليس مجرد خطيئة فردية، بل مساس بحق الجماعة.

حديث نبوي يجمع أسباب الشقاق

في الحديث الصحيح قال رسول الله ﷺ:
“لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا… وكونوا عباد الله إخوانًا.”
هذه الوصايا تلخّص فلسفة الإسلام في تحصين المجتمع من الغلّ والضغائن.

الغلّ… طريق مسدود ونهاية حزينة

الغلّ مرض للقلب مثلما الأمراض الجسدية تصيب البدن.
وكلما طهّر الإنسان نفسه من هذه المشاعر، ارتقى في أخلاقه، واتسعت رؤيته للحياة، وصار أقرب إلى الناس وإلى الله.

أما من يُصرّ على حمل الضغينة، فيظل أسيرًا لمرض داخلي يمنعه من النجاح والراحة.

 

صفاء القلب ليس رفاهية، بل ضرورة لحياة مستقرة.
والمجتمعات التي يتخلّص أفرادها من الغلّ والحقد، هي مجتمعات قوية، متماسكة، تنمو فيها الثقة، ويزدهر فيها التعاون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى