وثائق

حسن البنا.. الساعاتي الذي ضبط عقارب التاريخ

بقلم: هند الهواري

 

في مقهى صغير بمدينة الإسماعيلية عام 1928، لم يكن الحضور يعلمون أن الكلمات التي يلقيها شاب في العشرينيات من عمره ستغير وجه الشرق الأوسط لعقود قادمة.

 

لم يكن يحمل سلاحاً، بل كان يحمل “فكرة”. فكيف استطاع مدرس لغة عربية بسيط أن يؤسس تنظيماً امتد من قرى مصر الصغيرة ليصل إلى العالمية؟

إنه حسن البنا، الرجل الذي عاش بين صخب السياسة وهدوء الدعوة، وانتهت حياته برصاصات غامضة في ليل القاهرة.

 

كانت نشأته غير تقليدية ، ولد البنا في بلدة المحمودية بمحافظة البحيرة عام 1906، حيث تعلم في بيتٍ جمع بين العلم والزهد.

 

والده، الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا، كان يقضي نهاره في إصلاح الساعات وليله في تحقيق كتب السنة.

من هنا ورث البنا “دقة الساعاتي”؛ فكان يرى المجتمع كآلة تعطلت تروسها وتحتاج إلى إعادة ضبط.

 

لم يكن “الأفندي” حسن البنا واعظاً تقليدياً يكتفي بالمنابر، بل كان يرتدي بدلته وطربوشه ويذهب للناس في المقاهي والأماكن العامة، مؤمناً بأن الرسالة يجب أن تبحث عن المتلقي لا أن تنتظره.

 

وبعيداً عن صخب القيادة، اتسمت حياة البنا بالبساطة و قدرة فائقة على التأثير الإنساني؛ فقد امتلك ذاكرة من حديد، قيل إنه كان يحفظ أسماء الأشخاص من أول لقاء مما جعل أتباعه يرتبطون به عاطفياً قبل أن يكون ارتباطاً فكرياً.

كان يبدأ يومه مدرساً للغة العربية يتعامل مع الأطفال بروح الأب، ثم يتحول في المساء إلى قائد يدير أعقد التنظيمات، قادراً بكلماته على أسر مستمعيه وجذبهم نحو رؤيته بأسلوب يجمع بين بساطة المعلم وحماس المصلح،

 

أما على الجانب السياسي، كان البنا والذي أسس جماعة الإخوان المسلمين عام 1928، “لاعب شطرنج” ماهراً، حيث حاول موازنة الأمور بين التقرب من القصر الملكي لكسب الشرعية، وبين إلهاب حماس الجماهير ضد الإحتلال البريطاني.

 

وكانت نقطة التحول الكبرى عندما دفع بمتطوعيه للقتال في حرب فلسطين، مما منحه شعبية كبيرة لكنه في الوقت ذاته أثار رعب السلطات الدولية والمحلية من تنامي قوة “الجيش الموازي”.

 

ومع تزايد التوتر واغتيال رئيس الوزراء النقراشي باشا، دخلت الجماعة في صدام مباشر مع الدولة، مما دفع البنا لإطلاق مقولته الشهيرة للتبرؤ من العنف: “ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين”.

 

لكن النهاية كانت درامية بامتياز؛ فلم تكن عملية اغتياله في فبراير 1949 مجرد جريمة، بل كانت تصفية سياسية غامضة. أمام جمعية الشبان المسلمين، أُطفئت أنوار الشارع، سُحبت الحراسة، وتُرك ينزف لساعات دون إسعاف حقيقي.

 

رحل “المرشد” وبقي السر، لتتحول جنازته التي لم يمشِ فيها سوى النساء بسبب التضييق الأمني إلى واحدة من أكثر المشاهد شجناً في تاريخ مصر الحديث.

 

يبقى حسن البنا شخصية لا يمكن تجاوزها عند قراءة التاريخ؛ وسواء اتفقت مع مساره أو اختلفت معه، فلا شك أن “أفندي” المحمودية نجح في ترك بصمة غيرت ملامح القرن العشرين.

إن قصة حياته ليست مجرد سيرة ذاتية، بل هي مرآة تعكس صراع الهوية، والسياسة، والدين في قلب العالم الإسلامي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى