
كتب: إبراهيم رمضان الهمامـي ـ 30 سبتمبر 2025
منذ نشأة الحركة الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر، ارتبط وجودها بفكرة التوسع والسيطرة، ولم تكن حدود فلسطين التاريخية سوى محطة أولى في مشروع استعماري استيطاني أوسع يسعى لابتلاع المنطقة بأسرها.
هذا المشروع الذي يُعرف بـ “إسرائيل الكبرى” لم يكن مجرد وهم في عقول المنظرين الصهاينة، بل كان مخططاً مكتوباً في الأدبيات السياسية والدينية، ومترجماً في السياسات الميدانية والاقتصادية التي تنتهجها إسرائيل منذ قيامها.
فمنذ أن تأسست الدولة العبرية عام 1948، سعت النخبة الحاكمة فيها إلى فرض الأمر الواقع عبر التوسع العسكري والتهويد الممنهج للأرض، معتمدة على الدعم الغربي والأمريكي تحديداً، وعلى إضعاف محيطها العربي والإسلامي سياسياً وعسكرياً واقتصادياً.
إن العقيدة الصهيونية تستند إلى مقولات توراتية محرفة تدّعي أن حدود إسرائيل تمتد من نهر النيل غرباً إلى نهر الفرات شرقاً، وعلى الرغم من أن هذا الشعار يبدو اليوم مبالغاً فيه، إلا أن الواقع يثبت أن إسرائيل تسعى بخطوات متدرجة نحو هذا الهدف من خلال الهيمنة السياسية والاقتصادية والأمنية على دول المنطقة، وقد تجلى هذا الطموح في دعم الحروب والانقلابات وتفكيك الدول المحيطة بها، مثلما حدث في العراق وسوريا ولبنان، حيث عملت إسرائيل على إذكاء النزاعات الطائفية والعرقية لإضعاف تلك الدول وتحويلها إلى كيانات هشة غير قادرة على مواجهتها.
ولم يكن المشروع الصهيوني ليستمر لولا الغطاء الأمريكي الكامل له، فالولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى في العالم، لم تكتفِ بدعم إسرائيل سياسياً ودبلوماسياً، بل سخّرت لها المساعدات العسكرية والاقتصادية الضخمة، ووفرت لها الحماية في مجلس الأمن وكل المؤسسات الدولية، ومن خلال ذلك تحولت إسرائيل إلى أداة وظيفية تخدم المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، سواء عبر التحكم في منابع الطاقة أو تأمين الممرات المائية أو منع أي قوة إقليمية من النهوض.
وقد ظهرت في الفكر الصهيوني خرائط متداولة لما يُسمى بـ “إسرائيل الكبرى” تضم أراضي من مصر والسعودية وسوريا والعراق ولبنان والأردن، وهذه الخرائط ليست مجرد دعاية بل هي جزء من المخيلة الاستراتيجية التي تُغذّي السياسات الإسرائيلية منذ عقود، فالحروب المتكررة التي شنتها إسرائيل والاعتداءات المستمرة على فلسطين ولبنان وسوريا هي حلقات ضمن مشروع توسعي طويل الأمد.
ورغم كل هذا الزخم الاستعماري، فإن المشروع الصهيوني لم ينجح في تحقيق أهدافه الكبرى بسبب صمود المقاومة في فلسطين ولبنان، ووعي الشعوب العربية والإسلامية بخطورة المخطط، فالمقاومة المسلحة والشعبية شكلت على الدوام العائق الأبرز أمام فرض المشروع على أرض الواقع، وهو ما دفع إسرائيل إلى الاعتماد بشكل أكبر على التطبيع الاقتصادي والثقافي والإعلامي كوسائل بديلة لاختراق المنطقة. لقد بات واضحاً أن إسرائيل تسعى اليوم إلى استبدال الغزو العسكري بالغزو الناعم عبر اتفاقيات التطبيع التي أُبرمت مع عدد من الدول العربية، فهي تسعى من خلالها إلى تثبيت وجودها في المنطقة كقوة طبيعية بل ومهيمنة، في محاولة لتطويق القضية الفلسطينية وإضعاف محور المقاومة، غير أن هذه السياسات تواجه رفضاً متزايداً من قطاعات واسعة من الشعوب التي ما زالت ترى في إسرائيل عدواً وجودياً يهدد مستقبلها وهويتها.
إن “إسرائيل الكبرى” ليست مجرد أسطورة أو شعار، بل مشروع استعماري يسعى إلى السيطرة على مقدرات الأمة العربية والإسلامية، ومع ذلك فإن قوة هذا المشروع تظل مرهونة بمدى تماسك الدول العربية والإسلامية وقدرتها على بناء استراتيجيات مقاومة شاملة، تجمع بين القوة العسكرية والاقتصادية والثقافية. لقد أثبت التاريخ أن إسرائيل لم تنتصر إلا حين ضعفت الأمة وتشرذمت، وأنها عجزت عن فرض إرادتها كلما توحدت الشعوب ورفعت راية المقاومة، ومن هنا فإن المعركة مع المشروع الصهيوني ليست عسكرية فقط، بل هي معركة وعي وهوية وإرادة، معركة تتعلق بمستقبل المنطقة كله وبمصير أجيال قادمة لن تسامح من يفرّط أو يتنازل أمام هذه المخططات.



