شركة بلا موظفين.. تجربة تكشف حدود الاعتماد الكامل على الذكاء الاصطناعي

كتبت: نور عبدالقادر
تبدو فكرة الشركة التي يديرها شخص واحد، بينما يتولى الذكاء الاصطناعي مهام جميع الموظفين، وكأنها مستقبل العمل الذي لا مفر منه. لكن تجربة واقعية حديثة كشفت أن هذا التصور أبعد ما يكون عن السهولة التي يروج لها وادي السيليكون.
الصحفي الأميركي إيفان راتليف قرر اختبار الفكرة عمليًا، عبر إطلاق شركة ناشئة حملت اسم HurumoAI، تعتمد بالكامل على وكلاء ذكاء اصطناعي للقيام بجميع المهام، مع استثناء المؤسس نفسه.
ومن خلال منصات المساعدات الذكية، منح راتليف لكل وكيل افتراضي بريدًا إلكترونيًا خاصًا، وحسابًا على “سلاك”، وحتى رقم هاتف، في محاولة لمحاكاة بيئة عمل حقيقية، وفقًا لتقرير نشره موقع Gizmochina واطلعت عليه العربية Business.
بداية واعدة… ونتائج مشجعة
في المراحل الأولى، بدت التجربة ناجحة إلى حد كبير، إذ تمكن “الموظفون” الافتراضيون من كتابة أكواد برمجية، وإنشاء جداول بيانات، والمساهمة في تطوير تطبيق صغير نجح في جذب آلاف المستخدمين خلال فترة قصيرة.
عندما يختفي الانبهار تبدأ الفوضى
لكن مع مرور الوقت، بدأت المشكلات الحقيقية بالظهور. فقد اكتشف راتليف أن وكلاء الذكاء الاصطناعي يفتقرون إلى أبسط قواعد الانضباط والمنطق البشري.
حتى سؤال بسيط مثل: “كيف كانت عطلة نهاية الأسبوع؟” كان كفيلًا بإطلاق سيل متواصل من الرسائل على منصة “سلاك” لساعات طويلة، ما أدى إلى استنزاف أرصدة واجهات البرمجة (API)، قبل أن يضطر المؤسس للتدخل يدويًا لإيقافهم.
والمفارقة أن إيقاف الوكلاء لم يكن دائمًا ممكنًا بسهولة، إذ واصل بعضهم الرد أو شرح أسباب توقفه عن العمل، متجاهلًا أوامر الإيقاف تمامًا.
نشاط مفرط… بلا إنتاج حقيقي
وعند ترك الوكلاء دون إشراف مباشر، كانت النتيجة إما خمولًا تامًا أو نشاطًا مفرطًا بلا جدوى، من خلال تبادل الرسائل والبريد الإلكتروني والدعوات على التقويم فيما بينهم، دون إنجاز حقيقي يُذكر.
ومع الوقت، تحولت إدارة الشركة نفسها إلى مهمة معقدة:
تعليمات قليلة تعني توقف العمل، وحرية زائدة تعني فوضى عارمة.
حتى شركة الذكاء الاصطناعي تحتاج بشرًا
ورغم الفكرة الأساسية للشركة، لم تتمكن HurumoAI من الاستمرار دون تدخل بشري.
فقد استعان راتليف بطالب دكتوراه في علوم الحاسوب من جامعة ستانفورد، للمساعدة في بناء البنية التقنية وإدارة أنظمة الذاكرة، وهي مهام لم يستطع الذكاء الاصطناعي التعامل معها بمفرده.
وحتى مع هذه الضوابط، واجهت الوكلاء صعوبات واضحة في التخطيط طويل الأمد، واتخاذ القرارات الذاتية، وتقديم تقارير دقيقة عمّا أنجزوه فعليًا.
الذكاء الاصطناعي… مثل القيادة الذاتية
يشبّه راتليف وكلاء الذكاء الاصطناعي اليوم بتقنيات القيادة الذاتية في مراحلها الأولى: مفيدة في ظروف محددة، لكنها بعيدة عن الاستقلال الكامل.
وخلاصة التجربة أن الذكاء الاصطناعي قادر على تسريع العمل وتعزيز الإنتاجية، لكنه لا يلغي دور الإنسان في الإدارة، والتخطيط، واتخاذ القرار، على الأقل في الوقت الراهن.
وربما يتغير هذا الواقع مستقبلًا، لكن الطريق ما زال أطول بكثير مما يتخيله المتحمسون.



