
كتب: إبراهيم رمضان الهمامــي
في مطلع القرن العشرين، كانت الأمة العربية تعيش لحظة فارقة في تاريخها. دولة إسلامية كبرى تجمع شعوبًا من المحيط إلى الخليج، وجسد عربيّ واحد يتنفس من قلب الخلافة، يحمل هويته ووحدته وعقيدته، حتى جاءت الخيانة الكبرى التي غيّرت وجه المنطقة إلى الأبد.
ففي عام 1916، وبينما كانت جبهات الحرب العالمية الأولى مشتعلة، اجتمع رجلان من الغرب – البريطاني مارك سايكس والفرنسي فرانسوا جورج بيكو – ليقوما بتقسيم الوطن العربي بين بلديهما في اتفاقٍ سريّ عرف باسم اتفاقية سايكس بيكو، وهي الجريمة التي ما زالت آثارها تنزف حتى اليوم.
لكن قبل أن يعلن الغرب اتفاقه المشؤوم، كان يبحث عن أداةٍ عربيةٍ تبرر تدخله في قلب المشرق، فوجد ضالته في الشريف حسين بن علي، شريف مكة وحاكم الحجاز.
كان الشريف حسين يحمل حلمًا عربيًا في الاستقلال عن السيطرة العثمانية، لكنّ حلمه هذا انحرف حين أجرى مراسلاتٍ سرية مع المندوب البريطاني هنري مكماهون. وعده البريطانيون بأنهم سيدعمون قيام مملكة عربية كبرى تمتد من حلب إلى عدن إذا أعلن الثورة على العثمانيين.
وبالفعل، أطلق الشريف حسين الثورة العربية الكبرى في يونيو 1916، معلنًا القتال ضد الجيش العثماني، ومتحالفًا مع بريطانيا التي زوّدته بالسلاح والمال، وساندته جيوش الحلفاء.
غير أن الحقيقة كانت مؤلمة؛ فبينما كان الشريف حسين يقاتل العثمانيين باسم “الحرية العربية”، كانت بريطانيا وفرنسا تجلسان في غرفٍ مغلقة ترسمان خريطة جديدة للعالم العربي في اتفاقية سايكس بيكو، لتقوما بتقسيم المشرق إلى مناطق نفوذ استعمارية:
فرنسا تستولي على سوريا ولبنان وشمال العراق.
بريطانيا تستولي على فلسطين والعراق الجنوبي والأردن والخليج العربي.
وبينما كان الشريف حسين يرفع راية العروبة، كان أعداء الأمة يخططون لتفتيت أوطانها وطمس هويتها.
لقد استخدمت بريطانيا الشريف حسين لتحقيق هدفها الأخطر: تفكيك الدولة العثمانية من الداخل، وهي الدولة التي – رغم ضعفها – كانت لا تزال تمثل وحدة المسلمين السياسية والرمزية.
وبعد أن انتهت الحرب، تخلّت بريطانيا عن وعودها تمامًا، ونفت الشريف حسين إلى قبرص، ورفضت الاعتراف بمملكته الموعودة، وبدأت تنفيذ خطتها الكبرى: إنشاء الكيان الصهيوني في فلسطين بعد إصدار وعد بلفور عام 1917.
وهكذا تحولت ثورة الشريف حسين من حلمٍ بالوحدة إلى بابٍ واسعٍ للانقسام والاستعمار. فبدلًا من أن يتحقق استقلال العرب، فُرض عليهم الاحتلال البريطاني والفرنسي، وتقسمت أوطانهم إلى دويلاتٍ صغيرةٍ تحكمها أنظمة تابعة للغرب.
لقد كانت خيانة الشريف حسين هي الشرارة التي مهدت الطريق لاتفاقية سايكس بيكو، وجعلت تنفيذها ممكنًا دون مقاومة عربية موحدة. فحين خان الشريف العهد مع الخلافة، فُتح الباب على مصراعيه أمام الغرب ليعبث بالمنطقة كما يشاء.
ولم يكن هدف سايكس وبيكو مجرد تقسيم الأرض، بل تدمير الفكرة العربية والإسلامية الجامعة. فقد أرادا أن يزرعا بين العرب حدودًا وجدرانًا تجعلهم أعداءً بعد أن كانوا إخوة، وأن ينشئوا أنظمةً ضعيفةٍ لا تقوم إلا برضا الغرب، وأن يزرعوا في قلب المنطقة كيانًا غريبًا هو “إسرائيل”، ليبقى حاجزًا بين المشرق والمغرب، وليستمر الصراع قرونًا.
لقد كانت اتفاقية سايكس بيكو ومعها خيانة الشريف حسين بداية قرنٍ كاملٍ من الانكسار العربي. تحولت الأمة من كيانٍ واحدٍ إلى أكثر من عشرين دولة تتنازع الحدود والثروات، وبدل أن يكون العرب سادة قرارهم، أصبح قرارهم مرهونًا بالعواصم الأجنبية.
وباتت خريطة العالم العربي – التي رسمت بالمداد الاستعماري – تُملى علينا واقعًا سياسيًا واقتصاديًا حتى اليوم.
لكن ورغم هذا الواقع المرير، فإن الوعي العربي بدأ يستيقظ من جديد. فالشعوب العربية باتت تدرك أن ما حدث عام 1916 لم يكن قدرًا محتومًا، بل خيانة كبرى جرى تمريرها باسم العروبة، وأن الخلاص لا يكون بالاعتماد على الغرب الذي غدر بالأمس ولن يرحم اليوم، بل بالعودة إلى الإيمان بالهوية العربية الإسلامية الجامعة، وبوحدة المصير.
لقد أثبت التاريخ أن كل من راهن على الغرب خسر وطنه وهويته، وأن كل من خان أمته سقط في مزبلة التاريخ. أما الذين تمسكوا بعروبتهم ودينهم فقد كتبوا أسماءهم بمداد العزة.
واليوم، وبعد أكثر من قرنٍ على سايكس بيكو، ما زال العرب يعيشون آثارها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لكنهم أيضًا يعيشون بدايات وعيٍ جديدٍ يرفض الانقسام، ويدعو إلى استعادة الكلمة والكرامة والقرار المستقل.
إن اتفاقية سايكس بيكو لم تكن مجرد اتفاقٍ لتقسيم الأرض، بل كانت مشروعًا لتقسيم الوعي العربي، ومحو فكرة الأمة الواحدة.
وإن خيانة الشريف حسين لم تكن حدثًا عابرًا، بل كانت أول طعنةٍ في ظهر التاريخ، حين رفع راية الثورة ضد الخلافة باسم الحرية، ففتح الباب للاستعمار باسم التحرير.
لكن الأمة التي علّمت العالم الحضارة لا يمكن أن تبقى أسيرة التاريخ، فالشعوب التي تعرف ماضيها قادرة على أن تصنع مستقبلها، والعرب اليوم – رغم كل ما مرّ بهم – ما زالوا قادرين على إعادة بناء وحدتهم، لأن الجرح نفسه الذي مزّقهم هو ما سيجمعهم حين يدركون أن خلاصهم في العودة إلى أصلهم، إلى هويتهم، إلى عروبتهم التي هي هويتهم الأولى والأخيرة.
لقد خان الشريف حسين الأمانة، ووقّع الغرب اتفاق الخيانة، لكن الأمة لم تمت.
ستبقى العروبة قضية، وستبقى فلسطين شاهدًا على الغدر، وستظل الخلافة التي سقطت حلمًا ينتظر من يعيد إليها عزّها، لا ليعيد الماضي كما كان، بل ليبني مستقبلًا يليق بأمةٍ عظيمةٍ أبت أن تُدفن رغم مئة عامٍ من المؤامرات.



