رياح الجنوب تتحدى الشمال.. إسبانيا وإيطاليا تتجاوزان فرنسا في سباق «الثقة المالية» بمنطقة اليورو

بقلم: نجلاء فتحي
تشهد منطقة اليورو تحولاً دراماتيكياً يعيد رسم خارطة النفوذ الاقتصادي في القارة العجوز؛ فبينما كانت دول الجنوب تُصنف لسنوات كحلقة الأضعف، بدأت كل من إيطاليا وإسبانيا في سحب البساط من تحت أقدام القوى التقليدية في الشمال، وتحديداً فرنسا وألمانيا، محققة أداءً مالياً استثنائياً أعاد ثقة الأسواق العالمية في سنداتها الحكومية.
«معجزة الجنوب».. تراجع تاريخي للفجوة مع ألمانيا
كشفت التقارير الاقتصادية عن تراجع الفوارق في عوائد السندات الحكومية بين دول الجنوب وألمانيا إلى أدنى مستوياتها منذ 16 عاماً. ففي إسبانيا، تقلص الفارق إلى أقل من 0.5 نقطة مئوية، بينما وصل في إيطاليا إلى نحو 0.7 نقطة مئوية، وهي مستويات لم تتحقق منذ ما قبل أزمة ديون منطقة اليورو عام 2010. هذا التحسن يعكس نجاح مدريد وروما في ضبط الموازنة وتحقيق معدلات نمو مستقرة بعد جائحة كوفيد-19.
فرنسا في “المنطقة الحمراء” وألمانيا تحت المجهر
في المقابل، تبدلت الأدوار لتجد فرنسا نفسها في موقف لا تحسد عليه؛ حيث ارتفع عائد سنداتها لأجل عشر سنوات إلى 3.56%، متجاوزاً عوائد إيطاليا وإسبانيا، وهو مؤشر خطير يعكس قلق المستثمرين من تضخم الدين العام الفرنسي المتوقع وصوله إلى 120% من الناتج المحلي الإجمالي.
أما ألمانيا، “قلعة الأمان” التقليدية، فلم تعد بمنأى عن الضغوط؛ إذ وضعت خطط الإنفاق الواسعة ميزانيتها تحت مجهر المراقبة، رغم احتفاظها بسمعة الملاذ الآمن، إلا أن البريق الألماني بدأ يتأثر بتباطؤ النمو وتكاليف التحول الطاقي.
نهاية الانقسام التقليدي بين الشمال والجنوب
ويرى الخبراء أن هذه المتغيرات تؤكد نهاية عصر التصنيفات الجغرافية (شمال غني وجنوب مدين)، وحلول عصر “الاستدامة المالية وكفاءة الإنفاق”. فالمستثمر اليوم لا يبحث عن موقع الدولة، بل عن قدرتها على إدارة ديونها وتحقيق نمو حقيقي. ومع استمرار هذا التوجه، يتوقع المراقبون إعادة توزيع حقيقية للقوة الاقتصادية داخل الاتحاد الأوروبي، بما يعكس واقعاً مالياً جديداً يكسر القواعد القديمة.



