سرقة اللوفر: جريمة منظمة أم رسالة سياسية؟

حادث باريس يفتح باب التساؤلات بين البعد الإجرامي والتوقيت السياسي، في ظل مواقف فرنسا من قضايا الشرق الأوسط.
كتبت: نانيس عفيفي ـ ٢٢ أكتوبر ٢٠٢٥
في فجر الأحد ١٩ أكتوبر، تسلّل أربعة أشخاص إلى متحف اللوفر في باريس، وغادروا بعد دقائق تاركين وراءهم فراغًا في خزائن التاريخ الفرنسي. سرقة مجوهرات نابليونية من داخل أحد أشهر المتاحف في العالم بدت كأنها مشهد من فيلم، لكنها واقعة حقيقية أثارت دهشة الرأي العام وفتحت بابًا واسعًا للتساؤلات حول دوافعها وتوقيتها.

تشير التحقيقات الأولية إلى أن العملية نُفِّذت باحترافية لافتة؛ إذ استخدم الجناة رافعة كهربائية للوصول إلى قاعة Galerie d’Apollon المطلة على نهر السين، حيث تُعرض مجوهرات التاج الفرنسي. ووفق بيان وزارة الثقافة الفرنسية، تم تفعيل نظام الإنذار أثناء الاقتحام، غير أن الإشارة انتقلت إلى مركز الحراسة الداخلية فقط، ولم تُسمع في القاعة نفسها، مما أخر الاستجابة وأتاح للّصوص فرصة الهروب في دقائق معدودة. وأكدت وزيرة الثقافة رشيدة داتي أن “كل الاحتمالات ما زالت قيد التحقيق”، مشيرة إلى أن الأجهزة الأمنية تعمل على مراجعة إجراءات الحماية داخل المتحف.
من جانبها، ترى إرين تومبسون، أستاذة علم الجريمة الفنية بجامعة نيويورك، أن الحادث يكشف عن “خلل مؤسسي وأمني يحتاج إلى مراجعة شاملة”، معتبرة أن “مثل هذه الجرائم لا تُنفَّذ من دون معرفة مسبقة بالأنظمة التقنية للموقع”.
هذا الرأي يعكس تصاعد المخاوف داخل الأوساط الأكاديمية الفرنسية من احتمال وجود دعم داخلي أو ثغرة في أنظمة المراقبة المعقدة للمتحف.

أما من داخل المؤسسة نفسها، فترى لوران دي كار، رئيسة متحف اللوفر، أن ما حدث “يهز الثقة العامة أكثر مما يضر بالمقتنيات نفسها”، مشيرة إلى أن “الخسارة المعنوية تفوق المادية”.
وتُعد تصريحاتها الأقوى حتى الآن من داخل الإدارة، خصوصًا مع تزايد الانتقادات للحكومة حول ضعف تأمين المتاحف الكبرى في باريس.
في المقابل، يربط بعض المحللين بين السرقة والمناخ السياسي الفرنسي الحالي.
إذ يرى جاك رينار، المحلل السياسي الفرنسي، أن الحادث “يتجاوز الطابع الإجرامي إلى الرمزية السياسية”، موضحًا أن “اللوفر اليوم أصبح مرآة لفرنسا التي تعيد تعريف مكانتها بين الداخل والخارج”.
ويضيف جيمس راتكليف، الخبير القانوني في قضايا الفن، أن الواقعة “تفتح نقاشًا مشروعًا حول قدرة الدولة على حماية رموزها الوطنية في لحظة سياسية حرجة”.
ويعتقد خبراء أمن المتاحف أن العملية تحمل بصمات تخطيط دقيق ومعرفة مسبقة بالبنية الداخلية للمتحف، ويرجّح بعضهم أن القطع المسروقة اختيرت بعناية لسهولة تفكيكها وتسييل قيمتها في أسواق المعادن والأحجار الكريمة. بينما يرى آخرون أن التوقيت لا يمكن فصله عن المناخ السياسي الذي تعيشه فرنسا، لاسيما بعد مواقف الرئيس إيمانويل ماكرون من قضايا الشرق الأوسط، ومنها دعوته إلى وقف إطلاق النار في غزة وانتقاده لبعض السياسات الإسرائيلية، وهي مواقف أثارت ردود فعل متباينة داخليًا وخارجيًا.
ورغم الجدل السياسي، لا تزال القضية مفتوحة من الناحية الجنائية. وقالت النيابة العامة في باريس إن التحقيقات “ما زالت في مراحلها الأولية”، مؤكدة تعاونها مع الشرطة الدولية (الإنتربول) لتحديد مسار المقتنيات المسروقة ومصدر التمويل المحتمل للجريمة.
تاريخ من السرقات يعيد نفسه
لم تكن هذه السرقة الأولى في تاريخ متحف اللوفر، بل امتدادًا لسلسلة من الحوادث التي كشفت على مدار قرن عن ثغرات في أحد أكثر المتاحف حراسةً في العالم. ففي عام ١٩١١، اختُطفت لوحة “الموناليزا” على يد العامل الإيطالي فينشينزو بيروجيا، قبل أن تُستعاد بعد عامين في ظروف درامية. وفي عام ١٩٩٨، اختفت لوحة “Le Chemin de Sèvres” للفنان كورو ولم يُعثر عليها حتى اليوم. ورغم تباعد هذه الوقائع زمنيًا، فإنها تؤكد أن اللوفر ظل دائمًا هدفًا مغريًا للسرقات عالية التنظيم التي تجمع بين القيمة التاريخية والرمزية والمادية في آنٍ واحد.
وبينما تتواصل التحقيقات دون نتائج حاسمة، تبقى سرقة اللوفر حدثًا يتجاوز حدود الجريمة التقليدية، لتتحول إلى مرآة تعكس هشاشة القوة الناعمة الفرنسية أمام صراعات السياسة والرمزية. حدث أعاد التذكير بأن حماية التاريخ ليست مسؤولية أمنية فحسب، بل مسؤولية دولة تحاول أن تثبت حضورها في عالم متغير



