اخبار العرب

بين المملكة واليمن ، حين وقف الجار مقام الوطن

 

كتبت / دعاء هزاع الجابري

لا تعرف الأخوة بكثرة الكلام ، بل بثبات الموقف حين يختبر الزمن صدق النوايا ، فهناك من يشاركك الحدود ، وهناك من يشاركك الثقل حين تميل الأيام ، وعندما يشتد الليل لا يسأل الضوء لمن ستكون نهايته ، بل لمن سيبقى واقفا حتى الفجر

فحين تكون الجارة محبة لا تعرف من حدودها بل من أثرها ، تعرف بما تتركه في القلب لا بما ترفعه من أسوار ، وبما تزرعه من طمأنينة لا بما تملكه من قوة تكون المحبة هواءها ، والسلام خطوها ، والكلمة الطيبة ظلها الممتد ، فلا تأتيك بتبختر بل تمشي إليك بندية الأخوة وتمد يدها كما لو أنها تعرف وجعك قبل أن تنطقه ، وتفهم صمتك قبل أن يخذله الكلام ، وحين تضيق الأرض وتتراكم على الروح طبقات التعب تكون هي المساحة التي لا تخون ، والحصن الذي لا يتصدع ، والملجأ الذي لا يغلق بابه في وجه الخائفين ، وتغرس ودها عميقا فلا تقتلعها العواصف ، ولا تجففها المواسم ، ويصبح الوفاء لديها ميراثا يتناقله الزمن ، لا شعارا عابرا تستهلكه اللحظة

فإذا كان هذا فعل جار ، فكيف إذا كان الجار وطنا ؟ وكيف إذا كانت الجيرة تاريخا والحدود ذاكرة ، والدمع مشتركا في ليال طويلة ؟ ، هنا لا تعود الحكاية بسيطة ولا يكون المشهد عابرا بل تتشكل صورة أكبر من الكلمات في الجارة التي لم تدر ظهرها لليمن ، ولم تشح بوجهها عن ألمه ، انها ” المملكة العربية السعودية ” ، التي رأت اليمن وهو يثقل بالجراح وتتناوب عليه الفصول القاسية وتتناسل فوق أرضه الأوجاع ، فلم تتعامل مع المشهد كخبر ولا مع الوجع كرقم بل مدت يدها في شتاء حالك ، حين كان الليل أثقل من أن يحتمل ، وقالت للأرض المنهكة : لست وحدك ، فكان القول فعلا وكان الحضور وعدا لا يتأخر
ومع انبلاج عام جديد ، لم يكن الفجر استعارة بل واقعا يتشكل،  إذ بدأت تزاح عن اليمن طبقات القهر ، وتفك عقد السياسة التي كبلته طويلا ليعاد فتح النوافذ ليدخل الهواء إلى صدور أنهكها الاختناق ، فلم يكن الهدف إنقاذ لحظة بل استعادة إنسان وإعادة تعريف للغد

لقد فتحت المملكة أبوابها لا لتعلو بل لتسند ، وسعت لأن تنتشل اليمن من الغرق لا لتقوده بل لتقف إلى جواره حتى يستعيد توازنه ، ” حياة كريمة ” هذه هي الجملة التي كتبت بين السطور ، حياة لا يقصى فيها أحد ولا يسحق فيها إنسان تحت ثقل اسمه أو ضعفه ، وتعهدت أن تكتب المستقبل بالفعل وأن تضخ في عروق اليمن دم التنمية لا كأرقام باردة بل كنبض يعيد الحركة إلى أطراف أنهكها الانتظار ، مليارات تتحول إلى طرق ، وبيوت ، ومدارس،د ، وأحلام مؤجلة تعود لتقف على قدميها ، ليقوم يمن جديد لا منسيا ولا مكسورا ، يمن تعلق فيه الأفراح كما كانت ويستعيد اسمه القديم الذي يشبهه ” اليمن السعيد ”

ولا غرابة في ذلك على المملكة ، فهذه هي أرض الحرمين ، أرض المسؤولية التي لا تعلن نفسها بل تمارسها ، أرض تعلمت أن الجار ليس عبئا بل أمانة ، وأن الأخوة لا تقاس بالمسافة بل بالموقف ساعة العسر ، فوضعت عينها ساهرة وخطاها ثابتة ، لا لتبحث عن تصفيق بل عن اتزان الجار وقيامته من تعبه
وبهذا تقول المملكة لليمن بلا ضجيج ولا ادعاء : ” نحن لسنا خطين على خريطة بل روحين تشاركتا الألم والأمل معا ” ، وما دام في الأرض متسع للوفاء فلن يكون للزمن مهما كانت قساوته القدرة على أن الفصل بينهما مهما حدث .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى