قبل أن يقول البرلمان كلمته.. الدكتور نادر الصيرفي أسد القضاء يهز مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين

توحيد قواعد الطلاق في مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين
كتبت هدى العيسوى
أكد الدكتور/ نادر الصيرفي – المحامي – مرارًا وتكرارًا أن المشرع لم يستوعب مدلول مصطلح “مبادئ الشريعة المسيحية” الوارد بالمادة الثالثة من الدستور، وهو ما ترتب عليه أن انفردت كل طائفة بوضع تشريع مستقل وفقًا للائحتها الداخلية وشريعتها الخاصة، الأمر الذي أفقد مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين خصيصتي العمومية والتجريد، وجعله – بصيغته الحالية – غير جدير بالعرض على البرلمان.
وأوضح الدكتور نادر الصيرفي، في مقاله المنشور بمجلة المحاماة الإلكترونية، وكذلك بالمذكرة المقدمة إلى المجلس القومي لحقوق الإنسان، أن الكنائس ممنوعة قانونًا من ممارسة سلطة التشريع، ومن ثم فإن تقديم مشروع القانون من الحكومة بصورة ناقلة لرؤى الطوائف دون تدخل تشريعي حقيقي يعد إجراءً صوريًا لا يحقق مقتضيات الدستور.
وأشار إلى أن المشرع، وإن كان يملك سلطة تقديرية واسعة في تنظيم الحقوق، إلا أنه يظل مقيدًا بمبدأ المساواة بين المواطنين المخاطبين بالقانون متى تساوت مراكزهم القانونية، وهو ما يقتضي توحيد القواعد الموضوعية للطلاق وسائر مسائل الأحوال الشخصية للمسيحيين.
وأكد الدكتور نادر الصيرفي أن مشروع القانون بصيغته الحالية يثير شبهة قوية بعدم الدستورية ما لم تتدخل اللجنة المشتركة لتوحيد القواعد الموضوعية المنظمة للطلاق بصفة خاصة، وباقي مواد القانون بصفة عامة، موضحًا أن المشكلة الحقيقية تكمن في تخلي المشرع عن اختصاصه الدستوري لصالح الطوائف الدينية التي تتمسك بلوائحها الداخلية.
وأضاف أن هذا الوضع لا يعد احترامًا لخصوصية الطوائف، وإنما يمثل إهدارًا للمبادئ الدستورية المستقرة، والتي تقضي بعدم جواز الأخذ برأي مذهبي منفرد إذا خالف باقي المذاهب واصطدم بمقاصد الشريعة ذاتها.
واستشهد الدكتور نادر الصيرفي بحكم المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية النص الوارد بالقانون المدني الذي كان يمنع الأب من الرجوع في الهبة لأولاده، حيث تأسس الحكم على أن النص أخذ برأي الفقه الحنفي منفردًا بالمخالفة لجمهور الفقهاء وبما يصطدم مع مقاصد الشريعة الإسلامية.
وانطلاقًا من ذات المبدأ، قرر الدكتور نادر الصيرفي أن منع الطلاق مطلقًا لدى الكنيسة الكاثوليكية يثير شبهة عدم الدستورية، خاصة أن جميع الطوائف المسيحية الخمس قد اتفقت على أن الزنا سبب للطلاق، وهو ما يرتقي إلى مرتبة “المبدأ” الذي لا يجوز مخالفته، لا سيما وأن الطائفة الكاثوليكية تقر فعليًا بفكرة إنهاء العلاقة الزوجية تحت ستار “إعلان البطلان” لأسباب لاحقة على انعقاد الزواج الصحيح.
كما أوضح، دون افتئات على موقف الكنيسة الأرثوذكسية المتمسكة بقاعدة “لا طلاق إلا لعلة الزنا”، أن قصر الطلاق على الزنا وحده يخالف مقاصد الشريعة المسيحية ذاتها وفقًا لنصوص مشروع القانون، إذ إن ثلاث طوائف أرثوذكسية كاملة – الروم والأرمن والسريان – تجيز التطليق لأسباب متعددة، وهو ما يمثل نصف البناء التشريعي المسيحي تقريبًا، ويؤكد أن الأصل في الشريعة المسيحية هو جواز الطلاق لغير علة الزنا.
ودعم الدكتور نادر الصيرفي هذا الاتجاه بتصريحات البابا تواضروس الثاني بشأن “الترك الإرادي الطويل”، فضلًا عن لائحة ١٩٣٨ وما سبقها من “الخلاصة القانونية في الأحوال الشخصية” للإيغومانوس فيلوثاؤس عوض، والتي اعتمدها البابا كيرلس الرابع “أبو الإصلاح” كقانون كنسي.
ثم طرح الدكتور نادر الصيرفي آلية قانونية منضبطة لتوحيد مبادئ الشريعة المسيحية، تقوم على مرحلتين:
أولًا: الوسيلة السلبية
وذلك عبر استبعاد كل ما لا يرتقي إلى مرتبة “المبدأ” الدستوري، مثل:
إعلان البطلان الكاثوليكي.
الانحلال المدني الأرثوذكسي.
التطليق الإنجيلي قبل الدخول.
ثانيًا: الوسيلة الإيجابية
وتتم بطريقتين:
١- الدمج
ويكون من خلال الدمج بين النصوص الموضوعية المختلفة للوصول إلى مبدأ موحد، كما حدث في مسائل المواريث والوصايا، وكذلك الدمج مع أحكام الشريعة الإسلامية في مسائل الحضانة والنفقة والمنقولات.
٢- التعميم
وذلك بالأخذ بشريعة الأغلبية الموضوعية الأكثر مرونة، والمتمثلة في شرائع الروم والسريان والأرمن.
وأكد الدكتور نادر الصيرفي أن هذه الآلية من شأنها الوصول إلى قانون موحد بالمعنى الحقيقي للكلمة، يتضمن قواعد عامة مجردة تحقق مقاصد الشريعة المسيحية الكلية وفقًا للمادة الثالثة من الدستور.
وأضاف أنه إذا كان الدستور والقانون يفرضان توحيد القواعد الموضوعية للطلاق، فإنه لا مانع من وجود بعض الاختلافات في مسائل الزواج، مثل الخطبة والمراسم وموانع الزواج الأول والثاني، بشرط أن ينظمها القانون ذاته من خلال قواعد محددة وواضحة، دون منح الطوائف سلطة تقديرية مطلقة.
كما طالب بحذف العبارات المطاطة من مشروع القانون، مثل:
“خلو الموانع”.
“اللائحة الداخلية”.
“شريعة كل طائفة”.
“التظلم للرئاسة الدينية”.
واعتبر أن بقاء هذه العبارات يهدر فكرة الدولة القانونية ويفتح الباب لتفاوت الأحكام وغياب الرقابة القضائية.
وشدد الدكتور نادر الصيرفي على أن ذلك يقتضي عمليًا عدم تدخل الرئاسات الدينية أو الأزهر الشريف في مسائل الطلاق، مع ضرورة تفعيل دور المجالس الملية داخل مشروع القانون باعتبارها جهة مدنية أكثر اتساقًا مع طبيعة التشريع.
وتحظى اقتراحات الدكتور نادر الصيرفي، المزمع طرحها على البرلمان، بأهمية بالغة، خاصة أنه يعد المرجع الأول في قضايا وقوانين الأحوال الشخصية للمسيحيين في مصر والشرق الأوسط، كما تمثل توصياته نقلة نوعية حقيقية لإحياء قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين بصورة دستورية متكاملة بعد سنوات من الجمود التشريعي.



