اخلاقنا

«الهمز واللمز.. سُمّ اللسان وجرح القلوب حين يتحوّل الكلام إلى سلاح»

 

كتبت ـ داليا أيمن

يُعد الهمز واللمز من أخطر الآفات الأخلاقية التي تصيب المجتمعات، لما يترتب عليهما من أذى نفسي، وتفكك اجتماعي، وفساد في القلوب. وقد خصّهما القرآن الكريم بسورة كاملة هي سورة الهمزة، في دلالة واضحة على خطورتهما وعظم جرمهما.

أولًا: ما معنى الهمز واللمز؟

الهمز هو إيذاء الناس والطعن فيهم ظلمًا، سواء كان ذلك باليد أو بالإشارة أو باللسان، ويشمل الاعتداء الخفي أو الشديد على كرامة الآخرين.

أما اللمز فهو عيب الناس والطعن فيهم باللسان أو بالإشارة بالعين، ويدخل فيه الاستهزاء والغيبة والسخرية، كما ورد في قوله تعالى:
﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾.

ويجمع الهمز واللمز معنى واحدًا هو السخرية والاستخفاف بالناس والطعن في أعراضهم بغير حق.

ثانيًا: الفرق بين الهمز واللمز

اختلف العلماء في التفريق بين المصطلحين، ومن أبرز الأقوال:

قيل إن الهمز يكون في الغيب، بينما يكون اللمز في الحضور.

وقيل العكس: الهمز في الحضور، واللمز في الغيب.

وقيل إن الهمز بالأفعال والإشارات كاليد والعين، واللمز يكون باللسان والكلام.

وعند بعض العلماء: الهمزة من يؤذي جليسه بالإشارة، واللمزة من يعيبه ويتهكم عليه بلسانه.

ورغم اختلاف العبارات، اتفق الجميع على أن كليهما من صور الطعن والعدوان على كرامة الإنسان.

ثالثًا: الآثار المدمرة للهمز واللمز

الهمز واللمز لا يفسدان العلاقات فقط، بل يهددان تماسك المجتمع، ومن أخطر آثارهما:

تمزيق أواصر الأخوة بين أفراد المجتمع.

زرع الحقد والبغضاء والرغبة في الانتقام.

سقوط هيبة الساخر وفقدانه للمروءة والاحترام.

تعريض النفس لغضب الله وخسارة الحسنات.

تشبّه أهل الهمز واللمز بأخلاق المنافقين.

الابتعاد عن ذكر الله وقسوة القلب.

رابعًا: عقوبة الهمز واللمز في القرآن الكريم

جاء التحذير الإلهي صريحًا وقاسيًا في سورة الهمزة، قال تعالى:
﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾
إلى قوله:
﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةِ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾.

وهذا الوعيد الشديد يدل على أن الهمز واللمز من كبائر الذنوب التي تهدد صاحبها بعذاب أليم إن لم يتب ويستغفر.

خامسًا: الهمز واللمز في واقعنا المعاصر

لم يعد الهمز واللمز مقتصرًا على المجالس، بل انتقل إلى مواقع التواصل الاجتماعي عبر:

التنمر الإلكتروني.

السخرية من الصور والمقاطع.

نشر الشائعات والطعن في السمعة.

وهو ما يجعل خطر الهمز واللمز اليوم أوسع أثرًا وأسرع انتشارًا من أي وقت مضى.

 

الهمز واللمز ليسا مجرد كلمات عابرة، بل جريمة أخلاقية تهدم القلوب قبل العلاقات، وتفتح أبواب العداوة في المجتمع. وقد جاء القرآن بإنذار شديد لمن يقعون في هذا الداء، ليؤكد أن حفظ اللسان وحماية كرامة الناس أصل من أصول الإيمان.

فالمؤمن الحق هو الذي يصون لسانه، ويحفظ كرامة غيره، ويتقي الله في كلماته قبل أفعاله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى