الإقتصاد

” اقتصاد بلا وعي ” أوروبا في مواجهة أفولها الصامت

 

كتبت / دعاء هزاع الجابري

تبدو أوروبا في ظاهر المشهد العالمي اليوم كقارة هادئة لا يرتفع صوتها كثيرا في ضجيج القوى الكبرى ، لكنها في العمق تحمل ثقلا اقتصاديا يصعب تجاهله ، فهي ليست مجرد مساحة جغرافية تجمع دولا متجاورة بل كيان اقتصادي هائل يتنفس عبر سوق موحدة تضم مئات الملايين ويضخ حضوره في شرايين التجارة العالمية دون استئذان ، فلم تكن أوروبا يوما جزيرة معزولة عن الشرق ولا كيانا تشكل بمعزل عن طرقه وأسواقه وأسئلته ، فمنذ أن كانت القوافل تعبر الحرير والبهارات مرورا بالبحار التي حملت الذهب والأفكار معا نشأت القوة الأوروبية وهي تنظر شرقا لا بوصفه هامشا بل كمرآة بعيدة تعكس لها إمكاناتها وحدودها في آن واحد

الا أن أوروبا التي صنعت اقتصادا قادرا على تحريك العالم تقف اليوم أمام مفارقة صامتة حيث انها تملك كل أدوات النفوذ لكنها تتعامل معها وكأنها إرث مضمون لا يحتاج إلى دفاع ، بين ” ماض عرف كيف يستخدم الاقتصاد بوصفه سلطة ، وحاضر يتردد في الاعتراف بوزنه ” ، ليبدأ السؤال الحقيقي من هنا : هل ما تعيشه أوروبا لحظة هدوء ، أم بداية أفول لا يسمع صوته؟

ففي قلب هذه القارة تتحرك عجلة اقتصاد لا تعرف التوقف ، مصانعها تصنع العالم بصمت وشركاتها ترسم معايير الجودة والبيئة والتقنية حتى باتت قوانينها التنظيمية تمتد خارج حدودها وكأنها تشريع كوني غير معلن ،
” فاليورو ” عملتها الموحدة ليست مجرد ورقة نقدية بل لغة ثقة تتداولها الأسواق وتفاوض بها أوروبا العالم على مصالحه ، ففي الماضي كانت أوروبا تدرك جيدا أن الاقتصاد هو الطريق الأقصر إلى الهيمنة ، ولم تكن جيوشها وحدها من تصنع نفوذها بل قدرتها على التحكم في التجارة ، في الموانئ ، في العملة ، وفي شروط التبادل مع الشرق الذي كان رغم استنزافه ” قلب العالم ” النابض بالثروات والموارد ، آنذاك لم تتردد أوروبا في استخدام قوتها الاقتصادية كأداة توسع ، حتى وإن لبست ثوب الاكتشاف أو التمدين

غير أن المفارقة الوجودية تكمن في : كيف لقوة بهذا الحجم أن تتردد في إدراك ذاتها؟ ، نعم أن أوروبا تملك النفوذ لكنها تتعامل معه بحذر فلسفي ، كمن يخشى أن يرى انعكاس صورته كاملة ، فأختلاف المصالح بين دولها يجعل من صوتها السياسي متقطعا ، وكأن الاقتصاد سبق الوعي وسبق القوة التي إرادت توحيدها ، لقد تبدل المشهد دون أن تختفي الجذور ، فأوروبا الحديثة أكثر تهذيبا في خطابها وأكثر حذرا في حركتها ، لكنها ما زالت تمتلك قوة اقتصادية تفوق ما امتلكته في ذروة إمبراطورياتها القديمة حيث ” السوق الموحدة ، العملة المؤثرة ، الصناعات الدقيقة ، والتشريعات القادرة على فرض نفسها على شركات عابرة للقارات ” ، ومع ذلك يبدو أنها تعيش مفارقة تاريخية كبرى في :
قوة أكبر ، ووعي أقل بها

ورغم كل ذلك حين تختار أوروبا الفعل فإن أدواتها ناعمة في ظاهرها ، حادة في أثرها ، فالعقوبات الاقتصادية، والمعايير التنظيمية ، والسياسات البيئية ، تتحول إلى مفاتيح ضغط تعيد ترتيب موازين السوق العالمي دون طلقة واحدة ،
وهكذا تقف أوروبا اليوم أمام سؤالها الأكبر وهو : هل تكتفي بأن تكون عقل العالم الاقتصادي ، ومنظم إيقاعه؟ أم تجرؤ على التحول من عملاق يعمل في الظل ، إلى قوة تعي تماما ما تملكه وتستخدمه بوعي ومسؤولية ؟

ففي علاقتها بالشرق المعاصر لم تعد أوروبا تمارس السيطرة المباشرة ، بل تفاوض ، تنظم ، وتفرض المعايير ،  غير أن الشرق لم يعد كما كان حيث اصبح لديه ” قوى اقتصادية صاعدة ، أسواق بديلة ، وشركاء جدد يعيدون رسم خريطة النفوذ العالمي ” ، لياتي السؤال الأكثر حدة هنا : هل تدرك أوروبا أن تراجع حضورها الاقتصادي ليس قدرا ، بل نتيجة تردد؟ وأن إهمال استثمار قوتها الذاتية يفتح المجال لغيرها كي يملأ الفراغ؟

فالخطر الحقيقي لا يكمن في فقدان الأسواق الخارجية فحسب ، بل في انعكاس هذا الإهمال على شعوبها من الداخل ، حين لا تستخدم القوة الاقتصادية بوعي استراتيجي وتتحول إلى عبء صامت يتبلور في : بطالة مقنعة ، تآكل الطبقة الوسطى ، تصاعد القلق الاجتماعي ، وشعور عام بأن الرفاه الذي بني عبر عقود لم يعد مضمون ، لان أوروبا التي شيدت نموذج الدولة الاجتماعية قد تجد نفسها عاجزة عن حمايته إذا استمرت في التعامل مع اقتصادها كأمر مكتمل لا يحتاج إلى دفاع ، ففي الماضي كانت أوروبا تخشى الآخر فتتقدم ، وفي الحاضر تخشى نفسها فتتراجع خطوة إلى الوراء ، وإن استمر هذا التردد فإن المستقبل قد يحمل لأجيالها القادمة سؤالا قاسيا :
كيف لقارة امتلكت مفاتيح الاقتصاد العالمي ، أن تسمح بتبديدها تحت وطأة الانقسام الداخلي والكسل الاستراتيجي؟ كيف لقوة صنعت التاريخ ، أن تكتفي بدور المراقب بينما يعاد تشكيل العالم من حولها؟

أن أوروبا اليوم ليست ضعيفة ، لكنها مهددة بفقدان أخطر ما تملك وهو : الوعي بقيمتها ، والاقتصاد حين يهمل لا ينهار فجأة بل يتآكل ببطء حتى تستيقظ الشعوب يوما لتكتشف أن العملاق الذي ظنته خالدا كان يقف على أرض رخوة صنعها بنفسه ، فقد لا تسقط أوروبا بضربة واحدة ولا بانهيار صاخب يملأ نشرات الأخبار ، لأن سقوطها إن حدث سيكون بطيئا ، صامتا ، يشبه انطفاء الضوء في غرفة اعتاد ساكنوها على العتمة ، فالأمم لا تنهار حين تفقد قوتها فقط ، بل حين تفقد الإحساس بضرورة حمايتها ، حيثسيأتي زمن قد تنظر فيه الشعوب الأوروبية إلى تاريخها الاقتصادي كما ينظر إلى أسطورة قديمة  ” حقيقية ” لكنها بعيدة عن الواقع ، آنذاك لن يكون السؤال عما فقدته أوروبا من نفوذها الخارجي بل عما خسرته شعوبها من أمنها الاجتماعي ومن إيمانها بأن الغد امتداد طبيعي لليوم ، فالفقر حينها لن يكون فجائيا بل مألوفا ، والقلق لن يكون استثناء بل قاعدة يومية

وحين يتقدم الآخرون لملء الفراغ ، لن يفعلوا ذلك بدافع العداء بل بدافع الضرورة ، فالاقتصاد لا يعترف بالحنين ولا يحترم الأمجاد ، وأوروبا التي ترددت طويلا في استخدام وزنها قد تجد نفسها يوما خاضعة لقواعد لم تكتبها وأسواق لم تعد تتحكم بإيقاعها وشروط حياة لم تعد تصنعها بيدها ، وهكذا يتعب العملاق من الوقوف ، لا لأنه عاجز بل لأنه نسي أنه عملاق ، وما ان تدرك أوروبا ذلك ، قد يكون الوقت قد تأخر ، وقد يكون السؤال الوحيد المتبقي حينها : هل كان السقوط حتميا ، أم أن الإهمال هو من جعله يبدو كذلك؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى