” من بحر البلطيق إلى هرمز ” ظل النفط الروسي على الشرق الأوسط

كتبت / دعاء هزاع الجابري
أن الحروب الحديثة باتت تدار في صمت مريب ، فهنالك نوع اخر من الحروب عبر خرائط بحرية لا تعلق في غرف العمليات ، وأسماء سفن تمحى كما تمحى الحقائق ، وأعلام ترفع اليوم لتنزل غدا بلا أثر ، ففي هذا الفضاء الرمادي حيث تتوارى السياسة خلف الاقتصاد وتختبئ القوة خلف التجارة ، يطفو على السطح ما يعرف ب ” أسطول الظل ” الروسي حيث حرب بلا قذائف ، لكنها قادرة على إرباك النظام العالمي بأكمله
ففي مواجهة العقوبات الغربية التي صممت لخنق شريان النفط الروسي ، لم تلجأ ” موسكو ” إلى الصدام المباشر بل إلى الحيلة ، فأعادت ابتكار طرق التجارة كما تعاد كتابة التاريخ في أوقات الأزمات ، بناقلات نفط هرمة خرجت من الخدمة النظامية أعيد بعثها بأسماء جديدة ، وانتقلت ملكياتها بين شركات واجهة مسجلة في دول تتآكل فيها الرقابة ، حتى غدت هذه السفن كيانات عائمة خارج أي سلطة واضحة ، أشبه بأشباح تجوب البحار ، حيث ليس الغموض في هوية السفن وحده ما يثير القلق ، بل الأساليب التي ترافق رحلاتها من : أنظمة تتبع تطفأ عمدا ، مسارات تغير فجأة ، شحنات تنقل من سفينة إلى أخرى في عرض البحر ، ونفط يمزج بنفوط أخرى ليذوب أصله في عتمة الحسابات التجارية ، وبهذه المراوغات تواصل روسيا ضخ عائداتها ، وإن كان بثمن أعلى وكلفة أكثر تعقيدا ، لكنها بذلك تحافظ على نبض اقتصادها في عالم أراد له أن يتوقف ، وهنا يتكشف السؤال الأكبر ، سؤال السياسة العارية من الزخرفة : هل يمثل ” أسطول الظل ” إخفاقا صريحا لمنظومة العقوبات الغربية ، أم أنه دليل على أن الدول الكبرى قادرة دائما على التكيف مهما اشتد الحصار؟
فهذه الظاهرة لا تفضح روسيا وحدها بل تكشف هشاشة نظام دولي بني على افتراض أن القواعد تطبق بالتساوي ، وأن البحار يمكن ضبطها بالقوانين ، لكن البحار أوسع من أن تراقب ، والمصالح خصوصا في دول الجنوب غالبا ما تسبق الأخلاق السياسية ، فلا تتوقف تداعيات هذا الأسطول عند حدود المال والنفوذ ، بل تمتد إلى الجرح البيئي المفتوح ، فالسفن القديمة المتعبة والتي لا تخضع لمعايير السلامة الحديثة ما ان تعبر مضائق حساسة وبحارا مكتظة بحادث واحد وتسرب واحد فقط كفيل بأن يحول المياه من البلطيق إلى المتوسط ومن المحيط الهندي إلى البحر الأحمر ، إلى مسرح كارثة عابرة للحدود ، والثمن هنا لا يدفعه صانعو القرار ، بل سكان السواحل والصيادون والأجيال التي لم تستشر في هذه المغامرة الخطرة
أن ما تكشفه ناقلات النفط الروسية السرية أعمق من مجرد التفاف على العقوبات ، إنها تعري نظاما دوليا لم يعد قائما على القواعد بقدر ما يقوم على التفاهمات المؤقتة ، فالقوانين تحترم ما دامت لا تمس جوهر المصالح ، وحين تفعل يعاد تشكيل العالم في الظل بعيدا عن المنصات والخطابات ، ولا يتوقف الامر هنا فقط ، بل يمتد هذا الظل الثقيل ايظا إلى الشرق الأوسط ، المنطقة التي لم تغادر يوما قلب معادلة الطاقة ولا مركز الصراع العالمي ، فمع تدفق النفط الغير شفاف إلى الأسواق ، تجد دول المنطقة نفسها أمام ضغوط مزدوجة من اضطراب في توازن الأسعار ، ومنافسة غير عادلة ، وتشابك متزايد بين السياسة والاقتصاد خارج أي إطار للمساءلة ، ليدخل النفط الروسي عبر مسارات ملتوية ويربك حسابات المنتجين التقليديين ، ويقوض إمكانات التخطيط طويل الأمد ، ويفتح الباب أمام شبكات تجارة رمادية قد تتحول لاحق إلى أدوات نفوذ سياسي تشترى بها المواقف وتغذى بها الانقسامات ،
والأخطر بذلك هو أن الممرات البحرية الحيوية من ” مضيق هرمز إلى البحر الأحمر ” تصبح جزءا من هذا المشهد المعتم ، فتتضاعف المخاطر البيئية والأمنية في واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشة ، عندها لا يعود ” أسطول الظل ” مجرد وسيلة لكسر العقوبات ، بل عاملا إضافيا في زعزعة الاستقرار ، حيث تدفع الشعوب ثمن لعبة لا تملك قرارها
وهكذا في عالم تدار فيه السياسة من خلف الستار ، تتحول البحار إلى أرشيف عائم لفشل المجتمع الدولي ، فشل في فرض العدالة الاقتصادية ، وفشل في حماية البيئة ، وفشل في ضبط صراعات تتكاثر كلما تآكل الضوء ، ويبقى الشرق الأوسط مرة أخرى المساحة التي تتكثف فيها الظلال ، بينما يؤجل الضوء إلى إشعار دولي آخر .



